بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
خطبة ليوم 23 رمضان الأبرك 1447هـ الموفق لـ 13 مارس 2026م
«فَضْلُ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَهَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا»
الحمد لله الذي جعل بعض الأزمنة موسما لخيراته، ودعانا للتعرض فيها لطيب نفحاته، نحمده سبحانه وتعالى على ما هدانا إليه، ونشكره على ما أولانا مما يوجب الشكر والإقبال عليه، ونشهد أن لا إله إلا الله، شهادة من صام رمضان وقامه إيمانا واحتسابا، ففاز برضوان الله ومغفرته حالا ومآبا، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، صفي الله من خلقه وخليله، صاحب الهدي السوي، والخلق السني، صلى الله وسلم عليه في الأولين، وصلى الله وسلم عليه في الآخرين، وعلى آله الطيبين الأطهار، وصحابته الكرام من المهاجرين والأنصار، وعلى التابعين لهم ما تتابع الليل والنهار.
أما بعد؛ أيها المؤمنون والمؤمنات، فيقول الله تعالى في محكم تنزيله:
﴿اِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ فِے لَيْلَةِ اِ۬لْقَدْرِ وَمَآ أَدْر۪يٰكَ مَا لَيْلَةُ ا۬لْقَدْرِ لَيْلَةُ ا۬لْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنَ اَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ ا۬لْـمَلَٰٓئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ اِ۬لْفَجْرِ﴾[1].
عباد الله؛ ها هو شهر الصيام قد ذهب معظمه وجُلُّه، وبقي أعظمه وأجَلُّه، وخُصَّ ما بقي منه بفضل عظيم، وثواب جسيم، لما ادَّخر فيه الحق سبحانه لأوليائه من مزيد الإحسان، والعتق من النيران، وسلامٍ وأمنٍ وإيمانٍ، وذلك ما توحي به هذه السورة الكريمة، وتشير إليه من عظيم قدْرِ هذه الليلة، وكثرة نزول الملائكة، وتَنَزُّلِ مقادير السنة كلها فيها، ونشر معالم السلامِ صلاةً وذكرا وقياماً، وتحيةً على العباد الصالحين وسلاما.
ولا ينال هذا الخير كلَّه إلا من قامها إيمانا واحتسابا؛ كما قال النبي ﷺ:
«مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[2]؛
وقد أخفاها الله تعالى لحِكَمٍ يعلمها، كما أخفى اسمه الأعظم وساعة الإجابة يومَ الجمعة والصلاة الوسطى؛ وقد قال بعض أهل العلم نظما:
وَأُخْفِيَتِ الْوُسْطَى كَسَاعَةِ جُمْعَةٍ كَذَا أَعْظَمُ الْأَسْمَاءِ مَعْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
ومن تلكم الحِكمِ أن يكون للعبد مزيد عنايةٍ وشدةُ شوق ورغبةٍ في الحصول على فضلها، فَيهيمَ حبا في طلبها، ويبذلَ قُصارى جهده في نيل أجرها وثوابها.
ولذلك كان النبي ﷺ -وهو القُدوة الحسنة- كما روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها:
«إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ»[3].
هذا بالإضافة إلى ما كان عليه ﷺ من تلاوة القرآن والجود بالخير كالريح المرسلة، ومضاعفة الجهد خلال شهر رمضان كله.
وقولها رضي الله عنها «شَدَّ مِئْزَرَهُ» كنايةٌ عن الجد في العبادة. «وَأَحْيَا لَيْلَهُ»، أي زاد في قيام الليل، ووجد راحتَه فيه من التهجد ومناجاة الله عز وجل ساجدا وقائما، يحذرُ الآخرة ويرجو رحمة ربه.
وقد كان النبي ﷺ يقوم حتى تفطَّرت، -أي تشققت- قدماه. فقيل له: أتفعل هذا، وقد غُفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال ﷺ:
«أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»[4]؛
فالرسول ﷺ يتعبد ربه تعالى في مقام الشاكرين والمحبين، إجلالا لربه سبحانه وتعظيما.
والشكرُ عباد الله، هو مشاهدة المنعم في النِّعم، فيستحيي العبدُ من مخالفة أمره ونهيه؛ وصَدقَ الحق سبحانه إذ يقول لحبيبه ﷺ مرغِّبا ومخصِّصا:
﴿وَمِنَ اَ۬ليْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِۦ نَافِلَةً لَّكَ عَس۪ىٰٓ أَنْ يَّبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾[5].
وأما قول عائشة رضي الله عنها: «وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ»، ففيه دعوة لنا جميعا للقيام بواجب النصح لأهلنا وأولادنا وأقاربنا، وتشجيعهم على اغتنام هذه الليالي والأيام المباركات، وبيانِ فضلها حتى يفوزوا بأجرها وعظيم ثوابها.
ولا يكفي أن يجتهد الرجل أو المرأة، وينسى أولاده ذكورا وإناثا، وهم عن الخير غافلون، ولا سيَّما إذا كان بعضهم لاهيا في بعض التفاهات التي تروج على وسائل التواصل الاجتماعي، ويمضي عليهم رمضان ومعه العشر الفواضل، وهم صفرُ الكف من بركاته ونفحاته، وذلك هو الغَبْنُ الحقيقي والإفلاس؛ لقول النبي ﷺ:
«نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: اَلصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ»[6].
نفعني الله وإياكم بقرآنه المبين وبحديث سيد الأولين والآخرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على الهادي الأمين، النبي الأمي الرؤوف الرحيم بالمؤمنين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
معاشر المؤمنين والمؤمنات؛ كذلك كان رسول الله ﷺ في شهر رمضانَ عامة، وفي العشر الأواخر خاصة، عابدا قانتا شاكرا لأنعم ربه، ودليلاً صادقا نصوحا لأمته.
روى الإمام مالك رحمه الله في الموطأ:
«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ -أَيْ: عَدَّهَا قَصِيرَةً- أَنْ لَّا يَبْلُغُواْ مِنَ الْعَمَلِ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمُرِ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ»[7].
ومعنى ذلك: أن النبي ﷺ أراه الله تعالى أعمار الأمم السابقة، وهي بالمئات من السنين، وأعمارُ هذه الأمة بين الستين والسبعين، فكأنه اعتبر أعمار أمته قصيرة، بحيث لا يَبْلغُون من العمل والأجر ما بلغ غيرهم، فأعطاه الجواد الكريم ولأمته ليلة القدر، وهي خير من ألف شهر من العمل. وفيه تفضيل هذه الأمة بكثرة الأجور والثواب على قِصَرِ العمرِ وقلةِ العمل. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ألا فاحرصوا عباد الله، على فضل ربكم، واقبلوا هديته وكرمه عليكم، واغتنموا ما تبقى من هذا الشهر الكريم، بالتوبة الصادقة وجزيل العمل والإخلاص فيه، فالأعمال بخواتيمها.
ثم أكثروا من الصلاة والسلام على منبع الرحمة والحكمة، دليلِ كل خير وشفيع الأمة، سيدنا محمد ﷺ، فاللهم صل وسلم وبارك وأنعم على سيدنا محمد، بقدر مقامه ومقداره العظيم عندك.
وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين المهديين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم وعنا معهم برحمتك وجودك يا رب العالمين.
وانصر اللهم بنصرك المبين، وتأييدك المتين، ببركة هذا الأيام المباركات، من وليته أمر عبادك، وجعلته ظلك الوارف على بلادك، مولانا أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمدا السادس، الله بارك له في الصحة والعافية، وأسبغ عليه جميل ألطافك الخفية، قرير العين بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي، الأمير الجليل مولاي الحسن، مشدود الأزر بصنوه الرشيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنك سميع مجيب.
وارحم اللهم بواسع رحمتك، وعظيم جودك، الملكين الجليلين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجعلهما في مقعد صدق عندك.
اللهم تقبل منا الصيام والقيام وتلاوة القرآن، وسائر الطاعات والقربات وجميع وجوه الإحسان.
اللهم إنا نسألك في هذه الأيام المباركات، أن ترحمنا وترحم آباءنا وأمهاتنا، وسائر موتانا وموتى المسلمين، اللهم اختم بالصالحات أعمالنا، وبالسعادة آجالنا، واغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
- [1]. القدر 1-5.
- [2] . صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب من صام رمضان إيمانا واحتسابا 3/26. رقم الحديث بالمنصة 1081.
- [3] . صحيح البخاري، كتاب فضل ليلة القدر، باب العمل في العشر الأواخر 3/47.
- [4] . أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: أبواب التهجد، باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم الليل حتى ترم قدماه2/50 رقم:1130
- [5] . الإسراء 79.
- [6] . صحيح البخاري، كتاب الرقاق، بَابُ مَا جَاءَ فِي الرِّقَاقِ وَأَنْ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ رقم الحديث بالمنصة 4986.
- [7] . الموطأ، كتاب الاعتكاف باب ما جاء في ليلة القدر 2/547.





