خطبة الجمعة بمناسبة عيد العرش المجيد
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
الحمد لله الذي جعل الإنسان خليفته في أرضه، وجعل نظام الحياة يقومُ على أساس هذه الخلافة في حراسة الدِّين وسياسة الدُّنيا، نحمده جلَّ وعلا، ونشكره على نعمه الجُلَّى، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أنَّ سيِّدنا محمداً عبده ورسوله، القائــــــل صلى الله عليه وسلم:
“الـدِّين النَّصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟
قال: لله، ولـكتـابه، ولـرسـولـه، ولأئـمـة المـسـلمـين وعــامَّــتـهـم“.
رواه مسلم.
فصلواتُ ربِّــي وسلامه عليه، وعلى آله الطَّيبيــن الأطهار، وعلى صحابته الأخيــار القائمين بخــلافتـه من بعده في شؤون الدُّنيا والدِّين، وعلى التَّابعين لهم بإحسان في كل نفَس وحين.
أمَّا بعد، أيها الإخوة والأخوات في الإيمان: بعد ثلاثة أيامٍ ستحلُّ بنا ذكرى عيد العرش المجيد، وهي مناسبةٌ غاليةٌ، يحتفل بها المغاربةُ قاطبةً، ويجدِّدون من خلالها الطَّاعة والولاء لمولانا أمير المؤمنين حفظه الله، فهمُ المأمورون بها شرعاً لقول الله عزَّ وجلَّ:
﴿ يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ اُ۬للَّهَ وَأَطِيعُواْ اُ۬لرَّسُولَ وَأُوْلِے اِ۬لَامْرِ مِنكُمْ ﴾
[سورة النساء آية 58]
ومعلوم من الدِّين أنَّ طاعة ولي الأمر تستلزمُ مراعاة العهد الذي يقطعه المؤمن على نفسه، وما يقتضيه هذا العهد من الإخلاص والوفاء لأمير المؤمنين، والشَّهادة بالحقِّ بين يدي الله والعباد أنَّه حفظه الله قد أدَّى أمانة الدِّين والدُّنيا بحفظ الأمـــــــن والاستقرار اللَّذَيْن لا يقومُ أمرهما إلا بهما، بــــاعتبــــاره خـــليـــفــةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، في حراسة الدِّين وسياسة الدُّنيا، كما هو معلومٌ من نصُوص القرآن والسُّنة وفقه السِّياسة الشَّرعية. وذلك من خلال وفائه، حفظه الله، بالكليَّات الخمس التي تعُود إليها كلُّ الشَّرائع والأحكام، وتنتظم في سِلْكِها القوانينُ المنظمةُ لحياة النَّاس في السِّياسة، والاجتماع، والاقتصاد، والضَّامنةُ لحقوقهم، والمحققة للعدالةِ الاجتماعية بينهم، وهذا الوفاء يتجلى في الأمور الآتية:
أولاً: وفاؤه حفظه الله، لحفظ الدِّين وحمايته بالعناية بالقرآن الكريم والسُّنة النَّبوية، من خلال مشاريعَ عدَّة، نذكر منها باختصار: مؤسسة محمد السَّادس لطباعة ونشر المصحف الشَّريف، ومعهد محمد السَّادس للقراءات والدِّراسات القرآنية، ومعهد محمد السَّادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، وتجديد العناية بدار الحديث الحسنية والتَّعليم العتيق، وإذاعة وقناة محمد السَّادس للقرآن الكريم، والدُّروس الحديثية، ومنصَّة محمد السَّادس للحديث النَّبوي الشَّريف، ومشاريع أخرى عديدة في خدمة الأصلين: الكتاب والسُّنة؛
ثانياً: حفظ النَّفس وإقامة العدل بين النَّاس، حتى أمنُوا على أنفسهم، وأعراضهم، وأموالهم، وذلك من خلال رفع الظُّلم ومنع العدوان؛
ثالثاً: حفظ العقل بنشر العلم، وحفظ النِّظام بمختلف المؤسسات والقوانين؛
رابعاً: حفظ العرض، ولا سيما بمشاريع التَّضامن، ومحاربة الفقر والهشاشة التي تُسهم في سلامة أعراض النَّاس من التَّعرض للحاجة والامتهان؛
خامساً: حفظ المال الذي هو قِوامُ المعيشة، وذلك من خلال المشاريع التَّنموية الكُبرى في مختلف المجالات، ومختلف الجهات.
ولا يتَّسع المقام، عباد الله، لذكر كلِّ ما قام ويقوم به أمير المؤمنين، أعزَّ الله أمره، في عهده الزَّاهر، لوضع شعبه وأمته على سكَّة الحياة الطَّيبة، بكلِّ الوسائل الممكنة مما تقتضيه إمارة المؤمنين.
حفظ الله مولانا الإمام، وأبقاهُ ذخراً وملاذاً لشعبه وأمته حتى يحقِّق لهم كلَّ ما يصبُون إليه من رقي وازدهار. نفعني الله وإيَّاكم بالقرآن الكريم، وبحديث سيد الأولين والآخرين، وأجارني وإياكم من عذابه المهين، وغفر لي ولكم، ولسائر المسلمين أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله؛
الحمد لله الذي جعل الشُّكر دليلاً على العرفان بالجميل، وبرهاناً يستوجبُ القيام بالواجب لدَى كلِّ عاقلٍ نبيلٍ، والصَّلاة والسَّلام على سيِّد الشَّاكرين سيِّدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، يقول النَّبي صلى الله عليه وسلم
“لاَ يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لاَ يَشْكُرُ النَّاسَ“.
سنن أبي داود باب في شكر المعروف،4/403 .
وإنَّ ممَّا يجب علينا شُكرهُ مَا مَنَّ الله تعالى به علينا دون سائر النَّاس من إمارة المومنين الحامية للملَّة والدِّين، والقائمة على حفظ النِّظام الذي هو قِوامُ الحياة الطَّيبة وظلِّها الوارف على العباد، وهذا من صميم ما يقوم به العلماء اليوم من تسديد التَّبليغ لدين الله لكي يعطي ثماره الموعودة في حياة النَّاس، وأهمُّ هذه الثِّمار: شُكر الله تعالى على نعمه الكثيرة، وشُكر من أجرى تلك النِّعم على يديه.
وممَّا يستوجبه هذا الشُّكر: الوفاء لأمير المومنين بمقتضى البيعة بالسَّمع والطَّاعة في المنشَط والمكرَه، والسَّير في ركابه، ولزُوم جماعة المسلمين، والنُّصح لهم، كلٌّ في تخصُّصه ومسؤُولياته، ومهنَته، كما قال جرير بنُ عبد الله رضي الله عنه:
“بايعت رسول الله، على إقام الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة والنُّصح لكلِّ مسلم”.
صحيح البخاري كتاب الإيمان باب الدين النصيحة،1/ 21 .
وكذلك المحافظة على الوحدة ونبذ الخلاف، والدُّعاء للسُّلطان ومحبَّته، وهذه كلُّها من أمور الإيمان وشعبه الكبرى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
“خيار أئمتكم الذين تحبُّونهم ويحبُّونكم، وتُصلُّون عليهم ويُصلُّون عليكم”.
صحيح مسلم باب خيار الأئمة: 3/1481.
أي: تدعون لهم ويدعون لكم. وهو ما تضافرت به نصُوص الشَّريعة في أكثر من موطن.
ألا فاتَّقوا الله، عباد الله، واشكُروه على ما أولاكم به من النِّعم، وخاصةً نعمة الولاية الشَّرعية في ظلِّ الدَّولة العلويَّة المنيفة، وأكثرُوا من الصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد، فاللهم صلِّ وسلِّم على من اصطفيته لرسالتك، واجتبيته لنبوتك، صلاةً وسلاماً كاملين بكمال عزِّك ومُلْكِك، وارض اللهم عن أصحابه، المبايعين له على حفظ الأمَّة وتبليغ الدِّين، وخصوصاً الخلفاء الرَّاشدين من بعده؛ أبي بكر وعمر عثمان وعلي، وعن باقي الصَّحب أجمعين.
وانصر اللهم من ولَّيته أمر عبادك، وجعلته ظلَّك الممدُود في أرضك وبلادك، مولانا أمير المومنين صاحب الجلالة الملك محمداً السادس نصراً تعزُّ به دينك وأولياءك، واحفظه اللهم بما حفظت به كتابك، وأقرَّ عين جلالته بصاحب السُّمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن، مشدُود الأزر بصنوه السَّعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشَّريفة.
وارحم اللهم الملكين الجليلين مولانا محمداً الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيِّب ثراهما، وأكرم مثواهما مع المنعم عليهم من عبادك الصَّالحين.
اللهم احفظ بلادنا من كلِّ سُوء ومكرُوه، ووحد صفَّنا على ما تحبُّه وترضاه، ممَّا يقربنا إليك، وإلى جنَّاتك جنَّات النَّعيم، ربنا اغفر لنا، وارحمنا، وارحم والدينا، وارحم موتانا، وارحم بفضلك جميع المسلمين والمسلمات، المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك قريب سميع مجيب الدعوات.
ربنا آتنا في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النَّار. سبحان ربِّك ربِّ العزَّة عمَّا يصفُون وسلامٌ على المرسلين والحمد لله ربِّ العالمين.