الخميس 26 رمضان 1446 هـ | الموافق 27 مارس 2025

الزكاة تزكية للأنفس والأموال

 بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة منبرية في موضوع:

«الزكاة تزكية للأنفس والأموال»

ليوم: 19 جمادى الأولى 1446هـ، الموافق لـ: 22 نوفمبر 2024م

 


 

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي جعل الزَّكاة طهارة للأنفس والأموال، وفريضة اجتماعية للتَّكافل بين أفراد الأمَّة في جميع الأحوال، نحمده تعالى حمد الشَّاكرين لنعمائه، المقرِّين بفضله وإحسانه، ونشهد أنَّه الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ونشهد أنَّ سيِّدنا محمداً عبده ورسوله، خير من أعطى وسخى وتصدَّق، صلَّى الله عليه وسلَّم عدد خلقه، ورضى نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، وعلى آله الطَّيبين البررة، وعلى أصحابه الهُداة الخيرة، وعلى التَّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

أمَّا بعد؛ معشر المؤمنين، إذا كانت الصَّلاة صلةً بين العبد وربِّه، فإنَّ الزَّكاة صلةٌ بين العبد وأخيه، وهي حقٌّ لله تعالى، فرضه في أموال الأغنياء يؤدونه للفقراء، وهي أيضاً عنوان الطَّهارة النَّفسية والقلبية للمتصدِّقين والمتصدِّقات، ودليل تخلصهم من آفات الشُّح، والبخل، والأَثَرَة، كما أنَّها من أهم أعمالهم الصَّالحة بما تنشره من قيم الإيثار، والجود، والسَّخاء، ومن أمارت الإيمان والتَّصديق بوعد الله بالخُلف كما جاء في محكم التَّنزيل، يقول الله تعالى:

﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَےْءٖ فَهُوَ يُخْلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيْرُ اُ۬لرَّٰزِقِينَۖ﴾([1]).

عباد الله؛ إنَّ الزَّكاة في اللُّغة العربية لها معنَيين كبيرَين:

أمَّا المعنى الأول: فهو الطَّهارة والنَّقاء، إذ هي عبادة تطهر مال الأغنياء من حقِّ الفقراء والمساكين الذي أوجبه الله تعالى لهم بفريضة الزَّكاة، كما أنَّها تطهر النَّفس من الشُّح والبُخل، وتعود على المجتمع بتطهيره من العداوة والبغضاء. إذ الزَّكاة تقوِّي أواصر المحبَّة والعطف بين الأغنياء والفقراء، وتنشر قيم المحبَّة والتَّضامن والتَّعاون والرَّحمة بين أفراد المجتمع، مصداقاً لقول الله تعالى:

﴿وَأَقِيمُواْ اُ۬لصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ اُ۬لزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ اُ۬لرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَۖ﴾. ([2])

وأمَّا المعنى الثاني للزَّكاة: فهو النَّماء، إذِ المال المزكَّى ينمو نمواً مباركاً، يُدرك به صاحبه ما لا يدرك البخيل بماله مع شحِّه وبخله؛ ولذا قال الحقُّ سبحانه:

﴿خُذْ مِنَ اَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمُۥٓۖ إِنَّ صَلَوَٰتِكَ سَكَنٞ لَّهُمْۖ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۖ﴾([3]).

فالزَّكاة: طهارةٌ، وتزكيةٌ، وطمأنينةٌ بشهادة القرآن الكريم، وهي عنوانُ الإيمان بالله ورسوله، وبرهانٌ على تحقُّق معنى التَّوحيد في نفس المعطي، ودلالة على شكر المنعم سبحانه وتعالى، قال جلَّ شأنه:

﴿ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِۖ فَالذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمُۥٓ أَجْرٞ كَبِيرٞۖ﴾([4]).

فالإنسان من منظور القرآن الكريم مستخلفٌ في مال الله، يصرفه فيما يُرضي ربَّه من وجوه الخير، وعلى رأسه أداء حقِّ الفقراء من مال الزَّكاة.

وهكذا عباد الله، نرى أنَّ الزَّكاة طهرةٌ للمؤمن من خطاياه وذنوبه، ووسيلته لحفظ وترسيخ الأخوة الإيمانية بينه وبين باقي أفراد المجتمع، لما فيها من معاني التَّضامن، والتَّكافل، والتَّراحم بين الخلق.

فاتقوا الله عباد الله، واعرفوا فضله وآلاءه عليكم، واشكروه على نعمه يزدكم، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

 

الخطبة الثانية


 

الحمد لله ذي الفضل والامتنان، المسبغ على عباده سوابغ الجود والإحسان، والصَّلاة والسَّلام على الرَّحمة المهداة، والنِّعمة المسداة، سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هُداه.

وبعد، عباد الله؛ لقد وردت كلمة الزَّكاة في القرآن والسُّنة بمعانٍ متعدِّدة ممَّا يعطيها مفهوماً واسعاً؛ لتكون منظومةً شاملةً لجميع مناحي حياة النَّاس، فهي تزكيةٌ للنَّفس، وطهارةٌ للقلب من جميع الأمراض؛ كالشُّح، والبُخل، والأنانية، والكراهية، كما أنَّها تربية لها على الحُبِّ، والإيثار، وطلاقة الوجه، والإنفاق من مال الله الذي آتاه لعباده، وهي أيضاً كلمةٌ طيِّبةٌ، وجاهٌ وشفاعةٌ، وتوسُّلٌ، وحثٌّ للنَّاس على أن ينفع بعضهم بعضاً بكل أنواع العطاء وصوره.

فالزَّكاة عبادة نعبد الله تعالى بها، ووسيلة لتزكية المال ونمائه، وتزكية للمجتمع بتطهيره من الأخلاق السَّيئة، وتحليته بالأخلاق الفاضلة، وتزكية لمعاملات النَّاس وذلك بالصِّدق والبيان، وحبِّ الخير للغير، والسَّلامة من الغشِّ، والمكر؛ وهذا ما يجلب لمجتمع المسلمين الحياة الطَّيِّبة التي ملؤُها القناعةُ والرِّضى بما قسَّم الله لهم، فتتحوَّل حياتهم إلى عبادةٍ مستدامةٍ؛ من عبادةٍ خالصةٍ إلى معاملةٍ صادقة، إلى أخلاقٍ راقيةٍ، فيسعدون في الدُّنيا بوعد الله تعالى القائل:

﴿مَنْ عَمِلَ صَٰلِحاٗ مِّن ذَكَرٍ اَوُ ا۟نث۪يٰ وَهُوَ مُومِنٞ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗ وَلَنَجْزِيَنَّهُمُۥٓ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَۖ﴾([5])

ويضاعفُ لهم الأجر في الآخرة مصداقاً لقول الله تعالى:

﴿وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن زَكَوٰةٖ تُرِيدُونَ وَجْهَ اَ۬للَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْمُضْعِفُونَۖ﴾([6])

أي: المضاعفون لأجورهم عند الله تعالى.

هذا، ولنجعل مسك الختام، أفضل الصَّلاة، وأزكى السَّلام على من بُعث للنَّاس ليزكِّيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، سيِّدنا ونبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، فاللهم صلِّ وسلِّم على سيِّدنا محمد، وعلى آل سيِّدنا محمد، كما صلَّيت وسلَّمت على سيِّدنا إبراهيم وعلى آل سيِّدنا إبراهيم، وبارك على سيِّدنا محمد، وعلى آل سيِّدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيِّدنا إبراهيم في العالمين إنَّك حميد مجيد.

وارض اللهم عن الصَّحابة الكرام، ذوي الهدى والرَّشاد والمكارم العظام، أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن باقي الصَّحابة المبشرِّين، وكافة الأنصار والمهاجرين، ومن تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدِّين.

وانصر اللهم بنصرك المبين، مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمداً السَّادس، واحفظه اللهم بما حفظت به الذِّكر الحكيم، ومتِّعه بسوابغ الصِّحة في تمام العافية، آمين، وأقرَّ عين جلالته بولي عهده المحبوب، صاحب السُّمو الملكي الأمير الجليل مولانا الحسن، وشدَّ أزر جلالته بصنوه السَّعيد، الأمير مولانا رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشَّريفة، إنَّك سميع مجيب.

وارحم اللهم بواسع رحمتك، وكريم عفوك، الملكين الجليلين، مولانا محمداً الخامس، ومولانا الحسن الثَّاني، اللهم طيِّب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجعلهما في مقعد صدقٍ عندك، وارحم اللهم آباءنا وأمهاتنا وسائر موتانا وموتى المسلمين.

 اللهم آت نفوسنا تقواها وزكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها، اللهم زيِّنا بزينة الإيمان، وأكرمنا بكرامة القرآن، وأدخلنا الجنَّة بمحض الفضل والإحسان. ربَّنا اغفر وارحم، وتجاوز عمَّا تعلم، فإنَّك تعلم ولا نعلم، وأنت علام الغُيوب.

ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربَّنا إنَّك رءوف رحيم. ربَّنا آتنا في الدُّنيا حسنة، وفي الآخر حسنة، وقنا عذاب النَّار.  سبحان ربِّك ربِّ العزَّة عمَّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله ربِّ العالمين.

At vero eos et accusamus et iusto odio digni goikussimos ducimus qui to bonfo blanditiis praese. Ntium voluum deleniti atque.

Melbourne, Australia
(Sat - Thursday)
(10am - 05 pm)