جارٍ تحميل التاريخ...

خطبة منبرية في موضوع “ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال” ليوم 19 رجب 1447 موافق 09 يناير 2026 م

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه

خطبة ليوم 19 رجب 1447هـ  الموافق لـ 9 يناير 2026م

“ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال”

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أكرمنا بدين الإسلام، فأرسل إلينا من رسله خير الأنام، وأنزل علينا من كتبه مسك الختام، نحمده جل وعلا على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ونشكره على آلائه التي لا تستقصى، ونشهد أن لا إله إلا الله، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المنيب الأواه، صلى الله وسلم عليه وعلى كل من والاه، من الآل والصحب الكرام والتابعين لهم في اقتفاء طريقه وهداه. صلاة وسلاما متصلين دائمين إلى يوم الورود على حوضه وحماه.

أما بعد؛ معاشر المؤمنين والمؤمنات، فيقول الله تعالى في مدح عباده المؤمنين:

﴿وَالذِينَ هُمْ لِأَمَٰنَٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَۖ﴾[1]

عباد الله؛ جاءت هذه الآية في سياق مدح المؤمنين المفلحين في أوائل سورة “المؤمنون”، حيث أكد الحق سبحانه وتعالى فوز المتصفين بتلك الصفات الست، فقال:

﴿قَدَ اَفْلَحَ اَ۬لْمُومِنُونَۖ (1) اَ۬لذِينَ هُمْ فِے صَلَاتِهِمْ خَٰشِعُونَۖ (2) وَالذِينَ هُمْ عَنِ اِ۬للَّغْوِ مُعْرِضُونَۖ[2]

وأن الفلاح الحقيقي ليس ادعاءً باللسان، ولا انتسابا بالأسماء، وإنما هو تحقق بالإيمان، وترجمة بالعمل، ووفاء بالعهد، وأمانة في المسؤولية.

وقد سئلت أم المؤمنين سيدتنا عائشة رضي الله عنها، عن خلق رسول الله صلى الله وسلم عليه؟ فقالت:

«كان خلق رسول الله ﷺ القرآن»

. ثم قالت -للسائل-: أتقرأ سورة “المؤمنون”؟ اقرأ:

﴿قَدَ اَفْلَحَ اَ۬لْمُومِنُونَۖ﴾

، فقرأ

﴿قَدَ اَفْلَحَ اَ۬لْمُومِنُونَۖ (1) اَ۬لذِينَ هُمْ فِے صَلَاتِهِمْ خَٰشِعُونَۖ

إلى قوله تعالى:

﴿وَالذِينَ هُمْ عَلَيٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ 

فَقَالَتْ:

هَكَذَا كَانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ[3]

فأحالت أم المؤمنين رضي الله عنها، السائل على القرآن لفهم خُلُقِ الرسول صلى الله عليه وسلم إذ كان قرآنا يمشي على الأرض، خلقه وفاء وشيمته أمانة، وعهده صدق، وسيرته هداية ورحمة.

وهذا المعنى الجليل هو ما دعت إليه الرسالة الملكية السامية من العناية بأمانات الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي مقدمتها: القرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة العطرة.

وهو ما حرص عليه العلماء في “خطة تسديد التبليغ” بإبراز معاني الإيمان وحقيقته المتجلية في تحرير الإنسان من داعية هواه إلى عبادة الله وحده، وإبراز معاني العمل الصالح، الشامل لكل عمل يقوم به المسلم في عباداته ومعاملاته وعاداته وسلوكه، وفي جميع مناحي حياته.

وإن من أهم أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم الوفاءَ بالعهد لجميع الناس، ولم يكن صلى الله عليه وسلم ليغدر قط أو يخون، وإنما كانت شيمته الوفاء، كما ورد في حديث أبي سفيان مع هرقل، لما سأله: “هل كان يغدر؟ فقال لا. … قال: وسألتك هل يغدر، فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر”[4]. فاستدل هرقل على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم بوفائه ومحافظته على العهود.

هذا وإن من العهود الموروثة والمحفوظة في هذا البلد الأمين بإذن الله تعالى عهدَ المحافظة على هذا الوطن، وصيانة وحدته، والدفاع عن سيادته وعزته، وعهدَ الدفاع عن هذا الشعب المسلم الوفي ورعاية كرامته، والذود عن مقدساته وثوابته.

وهذا ما تذكرنا به “ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال”،  تلك اللحظة التاريخية المشرقة، التي كانت لبنة من لبنات صرح هذا الوطن وحريته، ومنعطفا من منعطفاته المشرِّفة، ومقدمة لملاحم وطنية ومواقف وبطولات؛ “كثورة الملك والشعب”، و”ملحمة الاستقلال“، و“المسيرة الخضراء المظفرة”، وتُوِّجَ ذلك كله بمسك ختامها “عيد الوحدة” في الواحد والثلاثين من أكتوبر 2025م، حيث شهد العالم بأسره بحق المملكة المغربية في وحدتها الترابية، الذي ناضلت من أجله عقودا من الزمان، وكان هذا القرار الأممي شهادة صدق لجهود بذلت، وسياسة حكيمة متبصرة لمولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، أعز الله أمره، وخَلْفَه شعبُه الوفي المثابرُ على السير في ركابه. وكان ذلك بفضل الله تعالى وكرمه ومنته على عباده.

حفظ الله مولانا الإمام بما حفظ به الذكر الحكيم، وبارك له في الصحة والعافية حتى يحقق لشعبه ولأمة الإسلام والإنسانية جمعاء كل ما يصبو إليه من رقي وازدهار. آمين.

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله؛ إذا كانت المحافظة على الوطن والمواطنين من العهود التي يجب الوفاء بها، كما استلهمنا ذلك من “ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال” وغيرها من ذكرياتنا الغالية، التي قدم فيها ملوكنا وأولياء أمورنا وآباؤنا وأجدادنا تضحيات جساما، واسترخصوا في ذلك كل غال ونفيس لنحيا بعدهم أعزاء كراما، فإن ذلك يقتضي منا الوفاءَ لتضحياتهم وجهودهم المبذولة:

أولا: بالاعتراف لهم بالجميل، والدعاء لهم والترحم عليهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم:

«ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه»[5]

ثانيا: المحافظة على المكتسبات وصيانة المنجزات، التي حققوها وسعدنا بها واليوم نجني ثمارها، وذلك بالسهر على حفظها والإخلاص في القيام بالواجب تجاهها، والتفاني في خدمة الوطن والمواطنين، تعبدا وتدينا.

ثالثا: تقدير إنجازاتهم والاحتفاء بأمجادهم الغالية واتخاذها ركيزة للانطلاق نحو التطوير والإبداع والتحديث وإضافةِ كلِّ جديد مفيد، وذلك بالحرص على العمل وإتقانه، وتجويد الأداء فيما أسند إلى كل واحد منا، في إطار المشاريع العظيمة التي نهض بها مولانا أمير المؤمنين في مختلف المجالات؛ الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، والثقافية والبيئية، جاعلا الإنسان المغربي في صلب اهتماماته، مخلصين له في وحدة الصف، وتوحيد الكلمة، والوفاء بمقتضى البيعة، التي يقول فيها النبي صلى الله عليه وسلم:

«من خلع يدا من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات مِيتَةً جاهلية»[6].

ألا فاتقوا الله، عباد الله، واعرفوا فضله وآلاءه عليكم واشكروه على نعمه يزدكم، وأكثروا من الصلاة والسلام على معلم الناس الخير، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فاللهم صل وسلم وبارك وأنعم على سيدنا محمد، عدد خلقك ورضى نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك.

 وارض اللهم عن ساداتنا الحنفاء، الأربعة الخلفاء، ذوي القدر العلي والفخر الجلي؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن آله الطيبين، وصحابته الغر الميامين، والتابعين لهم في كل وقت وحين.

وانصر اللهم بنصرك المبين، وتأييدك المتين، مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمدا السادس، نصرا تعز به الدين، وترفع به شأن عبادك المؤمنين. اللهم بارك له في الصحة والعافية، واحفظه بألطافك الخفية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن، مشدود الأزر بشقيقه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة.

وتغمد اللهم بواسع رحمتك الملكين المجاهدين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجعلهما في مقعد صدق عندك.

اللهم اغفر لآبائنا وأجدادنا الذين ضحوا براحتهم من أجل راحتنا، وتحملوا المشاق من أجل إسعادنا، اللهم اغفر لهم وارحمهم واجزهم عنا خير الجزاء، واجعلنا من الموفين بعهدهم، والمحافظين على مكتسباتهم.

 اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارضَ عنا وأرْضِنا.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

[1] – المؤمنون 8.

[2] – المؤمنون 1-9.

[3] – الأدب المفرد للإمام البخاري ص:115

[4] – صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، ‌‌باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم 1/8. رقم الحديث بالمنصة 2985.

[5] – سنن أبي داود، كتاب الزكاة، باب عطية من سأل بالله 2/52. رقم الحديث بالمنصة11479.

[6] – صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن 3/1478. رقم الحديث بالمنصة 3138.

شاهد أيضا

تصنيفات

At vero eos et accusamus et iusto odio digni goikussimos ducimus qui to bonfo blanditiis praese. Ntium voluum deleniti atque.

Melbourne, Australia
(Sat - Thursday)
(10am - 05 pm)