بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
خطبة ليوم 16 رمضان الأبرك 1447هـ الموافق لـ 6 مارس 2026م
“غَزْوَةُ بَدْرٍ الكُبْرَى: العِبَرُ وَالدَّلاَلاَتُ”
الخطبة الأولى
الحمد لله ولي المؤمنين، وناصر المتقين، نحمده سبحانه وتعالى على نعمة الإيمان والإسلام، ونشكره على ما أَوْلاَنَا من الإنعام والإكرام، ونشهد أن لا إله إلا الله الملك القدوس السلام، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، المنصورُ بإيمانه وتوحيده، والمؤيَّدُ بالمؤمنين الصادقين من آل بيته وأصحابه، صلى الله وسلم عليه صلاة وسلاما تامين بتمام دينه وسنته، وعلى آله الطيبين وأصحابه الميامين خيارِ أمته، ومن سلك نهجه القويم إلى يوم نيل شفاعته.
أما بعد؛ معاشر المؤمنين والمؤمنات، فإن من أيام الله تعالى على سيدنا محمد ﷺ، ومن مشاهدِ سيرته العطرة “يومَ بدرٍ الكبرى” الذي يحتفل به المسلمون في السابع عشر من رمضانَ من كل عام، مستلهمين منه الدروس والعبر، شاكرين لله تعالى مِنته على نبيه ﷺ وأصحابه الصادقين في إيمانهم، والمخلصين في أعمالهم، والملتفين حول قائدهم وإمامهم ﷺ.
فصارت هذه الغزوة منذ ذلك اليوم، مدرسة إيمانية خالدة، ومصدرا متجددا لاستخراج العبر والفوائد، على مستوى العقيدة والعبادة والأخلاق والسياسة وفي التدبيرِ ووحدة الصف وعدالة القضية، ومتانة القيادة.
هذه وغيرُها من أسباب النصر والرعاية الإلهية لأوليائه، والضامنةِ للمعية الربانية لمن كان على الحق ونصرةِ أهله.
وقد خص القرآن الكريم هذه الغزوة بسورة كاملة، هي سورة الأنفال، مُنَوِّهًا فيها بأهل الإيمان الصادقين، ومُذكرا بحكمته البالغة إذ يقول:
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ ا۬للَّهُ إِحْدَي اَ۬لطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ اِ۬لشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ا۬للَّهُ أَنْ يُّحِقَّ اَ۬لْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ اَ۬لْكٰ۪فِرِينَ لِيُحِقَّ اَ۬لْحَقَّ وَيُبْطِلَ اَ۬لْبَٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ اَ۬لْمُجْرِمُونَ﴾.[1]
عباد الله؛ هكذا شاءت حكمة الله تعالى أن يَخرج المسلمون في قلة العدد والعُدَّة، وخرجت قريش في كامل عددها وعدتها، فالتقى الجمعان على غير ميعاد، كما قال تعالى:
﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِے اِ۬لْمِيعَٰدِ وَلَٰكِن لِّيَقْضِيَ اَ۬للَّهُ أَمْراٗ كَانَ مَفْعُولًا﴾[2].
ومن أعظم الدروس المستفادة من غزوة بدر الكبرى:
أولا: أن الله تعالى ناصرُ أولياءه على ما هم عليه من العدد والقوة، لأن النصر من عند الله، ينصر من يشاء وهو القوي العزيز.
ثانيا: أن الرسول ﷺ وأصحابه الكرام مُفَوِضون أمرهم لله، ولا يُنازعونهُ في ملكه، فكان التسليمُ شأنهم، والرضى بحكم الله ديدنهم، وهذا من دروس الإيمان الكبرى التي يجب أن يتصف بها المؤمن في سائر الأحوال؛ إذ ليس لنا دائما بلوغ المقاصد، وإنما علينا الأخذ بالأسباب، والنتائج بيد الله تعالى، وهي منزلةٌ عظيمة من منازل الإيمان.
ثالثا: أن النبي ﷺ ظل يستشير أصحابه طوال الطريق إلى بدر، ويأخذ بمشورتهم، ويجمع أمرهم؛ ذلك لأن وحدة الصف من أهم أسباب النصر بعد الإيمان بالله عز وجل، وقد ورد في السيرة والدلائل أن النبي ﷺ قال:
«أَشِيرُواْ عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ».
يريد بذلك الأنصار لما وافق المهاجرون على المسير نحو جيش قريش،
فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -وَهُوَ مِنَ الْأَنْصَارِ-: وَاللَّهِ لَكَأَنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُرِيدُنَا؟ فَقَالَ ﷺ: «أَجَلْ». فَقَالَ سَعْدٌ: فَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ حَقٌّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ، فَنَحْنُ مَعَكَ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا وَاحِدٌ»[3].
عباد الله؛ في كلمات سعد هذه وصيةٌ غالية، ونصيحة خالدة في وجوب التزام جماعة الإمام والسمع والطاعة له في المنشط والمكره وسائر الأحوال، وفي توحيد الكلمة ووحدة الصف في قضايا الأمة، وهي من أعظم أسباب النصر والتمكين.
وهو ما عمل به أجدادنا وساروا عليه في حياتهم عامة، وفي مواقف حاسمة في تاريخ المغرب والمغاربة.
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ووفقنا جميعا لما فيه خير الدنيا والآخرة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، الملك الحق المبين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله؛ إن المتأملَ في سورة الأنفال يستفيد منها دروسا وعبرا ومعاني عظيمة، نذكر بعضها:
منها: التركيزُ على الإيمان الصادق ودوره في تنقية العبد من حظوظ النفس وتسليمه لأمر الله، وذلك ما تشير إليه الآية الأولى والتي تليها من السورة:
﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ اِ۬لَانفَالِ قُلِ اِ۬لَانفَالُ لِلهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ ا۬للَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اُ۬للَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّومِنِينَ إِنَّمَا اَ۬لْمُومِنُونَ اَ۬لذِينَ إِذَا ذُكِرَ اَ۬للَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمُۥٓ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتْهُمُۥٓ إِيمَٰناً وَعَلَيٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾[4].
والمقصود بالأنفال الغنائم.
ومنها نسبة الفعل لله تعالى، بعد القيام بواجب الامتثال، فمذهب أهل التوحيد على أن الفعل لله تعالى وللعبد منه الكسب، قال تعالى:
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اَ۬للَّهَ رَم۪ىٰ﴾[5].
ومنها: وجوب السمع؛ سماعَ قَبول وامتثالٍ لأمر الله ولرسوله، ولمن ولاَّه الله أمر المسلمين، لقوله جل جلاله:
﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ا۬للَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَا تَكُونُواْ كَالذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾[6].
ومنها: الاستجابة لله ولرسوله وهو ما يحقق الحياة الطيبة الجالبةَ للسكينةِ والطمأنينة في الدنيا ويَصلحُ به أمر الآخرة، لقوله سبحانه:
﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ اُ۪سْتَجِيبُواْ لِلهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾[7].
ومنها: أن تأليف القلوب من فضل الله على عباده، الذي يوجب عليهم الشكر.
ومنها: ترسيخ تضامن الأمة وتكافلها وتعاونها على البر والتقوى، لقوله تعالى:
﴿ وَإِنْ يُّرِيدُوٓاْ أَنْ يَّخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اَ۬للَّهُ هُوَ اَ۬لذِےٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِالْمُومِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوَ اَنفَقْتَ مَا فِے اِ۬لَارْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اَ۬للَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمُۥٓ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[8].
هذه، عباد الله، بعض الإشارات لما تضمنته غزوة بدر من الفوائد والدرر، وما تنزلَ فيها من البيان المبين.
ونحن نستقي من غزوة بدر الكبرى هذه المعاني، نحمد الله تعالى على ما مَنَّ به على بلادنا من نعم عظمى، إذ جمع شملنا ووحد صفنا حول إمارة المؤمنين الساهرة على أمن البلاد والعباد، والقائمة بأمر الله في حراسة الدين وسياسة الدنيا.
حيث إن غزوة بدر من المواقف الجليلة في سيرة رسول الله ﷺ وصحبه فإننا نستحضر أنه بمناسبة مرور خمسة عشر قرنا على ميلاد الحبيب المصطفى سيدنا ونبينا محمد ﷺ، تفضل مولانا أمير المؤمنين رئيس المجلس العلمي الأعلى، حفظه الله وأعز أمره، رعاية منه لمقام النبوة، وأداء لأمانة الرسالة، فبعث رسالة سامية إلى العلماء ومن خلالهم إلى الشعب المغربي قاطبة وإلى كل محبي الرسول ﷺ، لجعل هذه السنة سنة تذكير بواجب المحبة الصادقة للجناب النبوي الشريف؛ من أجل مدارسة سيرته ﷺ واستنباط الدروس والعبر منها، والاقتباس من أنوارها.
هذا؛ وصلوا وسلموا على من صلى الله عليه بنفسه، وثنى بملائكة قدسه، ثم أمر بذلك سائر عباده من جنه وإنسه: فقال:
﴿اِنَّ اَ۬للَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَي اَ۬لنَّبِےٓءِ يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾[9].
فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، كلما ذكرك وذكره الذاكرون، وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وانصر اللهم عبدك الخاضع لجلالك وسلطانك، مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمدا السادس نصرا تعز به دينك، وترفع به أولياءك، ومتعه اللهم بتمام الصحة وجميل العافية، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن، وشد أزره بصنوه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة.
وارحم اللهم بمحض فضلك وعظيم جودك الملكين الجليلين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجزهما خير ما جزيت محسنا عن إحسانه.
اللهم ارحمنا وارحم والدينا، وسائر موتانا وموتى المسلمين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وعاف مبتلانا ومبتلى المسلمين.
ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
[1] . الأنفال 7-8.
[2] . الأنفال 42.
[3] . دلائل النبوة للبيهقي 3/34.
[4] . الأنفال 1-2.
[5] . السورة نفسها 17.
[6] . نفسها 20-21.
[7] . نفسها 24.
[8] . نفسها 63-64.
[9] . الأحزاب 56.





