بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
خطبة الجمعة ل 30 رمضان أو فاتح شوال 1447هـ الموافق لـ 20 مارس 2026م
“هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ وَآدَابُهُ فِي الْعِيد”
الحمد لله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، الممتنِ على الصالحين من عباده بتمام الصيام مع حسن الأداء، نحمده سبحانه وتعالى على ما أنعم، ونشكره جل وعلا على ما أَلْهَمَ وعلَّم، ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المجتبى، ونبيه المصطفى الصادق الأمين، صلى الله وسلم عليه صلاة تامة متواصلة ما فرح المسلمون بالعيد، وتواصوا فيه بالصلة والصدقة وإضافة المزيد، وعلى آله الطيبين الأصفياء، وصحابته الكرام الأوفياء الأتقياء، وعلى التابعين لهم في حسن الأداء والقضاء.
أما بعد؛ معاشر المؤمنين والمؤمنات، فيقول البارئ جل وعلا في محكم الآيات:
﴿يُرِيدُ ا۬للَّهُ بِكُمُ ا۬لْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ا۬لْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ ا۬لْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ا۬للَّهَ عَلَىٰ مَا هَد۪يٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[1].
عباد الله؛ في هذه الآية الكريمة يبين الحق سبحانه الغايةَ من شرائعهِ، وخاصة شريعة الصيام، وتلك الغايةُ هي توحيده جل وعلا وتكبيره وشكرُهُ على نعمه.
فبعد أن ذكر جل جلاله حكم الصيام وهو العزيمة والفرض: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ا۬لشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾[2]،
وذكر معه الرخصة لمن لا يستطيع الصيام من المرضى والمسافرين وذوي الحاجات المختلفة:
﴿وَمَن كَانَ مَرِيضاً اَوْ عَلَيٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٌ مِّنَ اَيَّامٍ اُخَرَ﴾[3].
قال جل شأنه مبينا طبيعة شريعته السمحة: ﴿يُرِيدُ ا۬للَّهُ بِكُمُ ا۬لْيُسْرَ﴾، ثم أكد ذلك بقوله جلت قدرته: ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ا۬لْعُسْرَ﴾، فالجملة الثانية مستفادة من الأولى، وتفيد رحمة الله بعباده ودفع المشقة عنهم، وملاطفة مشاعرهم بشفقته.
ثم بيَّن سبحانه أن المقصود هو تمام العدة أداء للأصحاء، وقضاء لغيرهم من أصحاب الأعذار خارج رمضان، فتَكمُلُ العدة للجميع تسعة وعشرين أو ثلاثين يوما: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ ا۬لْعِدَّةَ﴾.
وبعد انتهاء العدة يأتي يوم الفرح والسرور، يوم عيد الفطر المباركِ، تتويجا لشهر الصبر والإيمان، وفرحا بتمام النعمة على أكمل وجه وأحسنه.
وبلوغُ الغايةِ يوجب الحمدَ والشكرَ والتكبيرَ، وكثرةَ الصلاة والسلام على البشير النذير، ﷺ؛
﴿وَلِتُكَبِّرُواْ ا۬للَّهَ عَلَيٰ مَا هَد۪يٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
أي: تكبرون الله تعالى ذا الجلال والإكرام، اعترافا بفضله، وإقرارا بجوده وإحسانه، وتشكرونه على ما هداكم إليه من فضل وإحسان، وما منحكم من صحة وعافية وأمن وأمان، حتى صمتم شهر رمضان وقمتموه، وعمرتم ساعاته بتلاوة القرآن والذكر والدعاء وعن القيل والقال صنتموه.
وهذا ما يردده المسلمون يوم العيد في مصلياتهم إذ يقولون: «سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اَللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا هَدَانَا، اَللَّهُمَّ اجْعَلْنَا لَكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ».
يطبقون مدلول هذه الآية اتباعا لسنة النبي ﷺ في العيد، واتباعا لسنن السلف الصالح في تمثل معاني القرآن وتنزيلها.
قال ابن حبيب -وهو من العلماء المالكية رحمه الله-: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَجْهَرَ فِي طَرِيقِهِ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ جَهْرًا يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيهِ، وَفَوْقَ ذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَ الْإِمَامُ، فَيُكَبِّرَ وَيُكَبِّرُونَ بِتَكْبِيرِهِ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ التَّكْبِيرِ: اَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اَللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا هَدَانَا، اَللَّهُمَّ اجْعَلْنَا لَكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ».
لقول الله سبحانه:
﴿وَلِتُكَبِّرُواْ ا۬للَّهَ عَلَيٰ مَا هَد۪يٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[4].
نفعني الله وإياكم بقرآنه المبين، وبحديث سيد الأولين والآخرين، والحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا كما أمر، والصلاة والسلام على نبيه محمد خير البشر، وعلى آله أولي التقى والنهى، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله؛ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كَانَ لِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَانِ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا. فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ قَالَ:
«كَانَ لَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا، وَقَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ النَّحْرِ»[5].
في هذا الحديث بين النبي ﷺ أن يوم العيد هو يوم الفرح والسرور، بتمام فضل الله ونعمته في نهاية الصيام في الفطر، ونهاية مناسك الحج في الأضحى، بدلا من أيام كانت في الجاهلية يفتخرون فيها بالعصبية ومآثر الجاهلية.
كما أباح النبي ﷺ ذلك ورغَّب فيه، وبين أن العيد هو يوم سَعة ورخصة وفسحة؛ لما روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الْأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«يَا أَبَا بَكْرٍ؛ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا»[6].
وهذا عيدنا معاشر المؤمنين، فلندخل فيه السرور على أسرنا وعلى الفقراء والمساكين، واليتامى والمحتاجين، ولْتَعُمَّ فيه الصلة والبشر والتهنئة بالعيد.
وأكثروا فيه وفي غيره من الصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين، سيدنا محمد النبي المصطفى الأمين، فاللهم صل وسلم على سيدنا محمد كلما عادت على المسلمين الأعياد، وصل وسلم على سيدنا محمد كلما رُفِع ذكرُه مع ذكرك إلى يوم المعاد، وارض اللهم عن خلفائه الناصحين، الحنفاء الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن باقي الصحب أجمعين.
وانصر اللهم من وليته أمر عبادك، واصطفيته ظلا وارفا على بلادك، مولانا أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمدا السادس، نصرا تعز به أهل طاعتك، وتذل به أهل معصيتك، اللهم أدم عليه نعمة الصحة والعافية، وأعد عليه وعلى أسرته الشريفة أمثال هذه الأيام المباركات الغالية، مكلوءا بعنايتك، محفوظا برعايتك، مصونا في جنبك الذي لا يضام، محروسا بعينك التي لا تنام. اللهم أقر عين جلالته بولي عهده المحبوب، صاحب السمو الملكي، الأمير الجليل مولاي الحسن، وشد أزر جلالته بشقيقه السعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة.
وتغمد اللهم بكريم جودك وغفرانك، وجزيل إحسانك ورضوانك، الملكين الجليلين، مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما في أعلى عليين، مع المنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.
اللهم أعد علينا أمثال هذه الأيام، أيام بركاتك وخيراتك، واجعلنا من الرابحين فيها، واقبل فيها أعمالنا، وأصلح فيها أحوالنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.
ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
خطبة الجمعة في هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ وَآدَابِهِ فِي الْعِيد-صفحات كبيرة
خطبة الجمعة في هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ وَآدَابِهِ فِي الْعِيد-صفحات صغيرة
[1] – البقرة 184.
[2] – البقرة 184.
[3] – البقرة 184.
[4] – البقرة 184.
[5] – سنن النسائي كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ باب صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ 3/179.
[6] – صحيح البخاري، كتاب العيدين باب سنة العيدين لأهل الإسلام 2/17. رقم الحديث بالمنصة 1296.
