بسم الله الرحمن الرحيم
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو القطب الأعظم في الدين، والركن الأهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين «ولو طوى بساطه، وأهمل علمه وعمله، لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد»(1).
وهو مشروع الأنبياء الأكبر، وعنوان خيرية هذه الأمة الأشهر، وهو فسطاط شعب تدينها، ودليل تمساكها على مبادئها واختياراتها، وعاصمها من وقوع التشرر والتفاسد فيها، ودليل كرامتها على ربها، وحجة شهادتها على غيرها، التي كانت عليه أيام دهرها، تمثيلا لهدي نبيها وأداء لحق رسالتها، وخدمة لعالمية دعوة ربها، وتزيينا لقيم حنيفية بينات نبيها صلى الله عليه وسلم والتزامها مقتضيات حلالها وحرامها، وحجج مراضيها ومذامها، الذي كمل به الدخول في الصراط المبرور، وتم بسببه الإخراج إلى النور، المنصوص عليه في قول سبحانه وتعالى في حقها المبين عن قدرها وفضلها: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ا۟خْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِ وَتُومِنُونَ بِاللَّهِۖ﴾.(آل عمران: 110).
ولم يزل أهل العلم بحق أماناتهم على هذا السنن في التلقين والتمرين إلى يومنا هذا، اقتداء بإمام الربانيين صلى الله عليه وسلم، الذي أرسله الله لهداية الناس، وإقامة الحجة عليهم بحق البلاغ عنه القائم عليه؛ الذي نبأ سبحانه به في آيات كثيرة، منها قوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لنَّبِےٓءُ اِ۪نَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداٗ وَمُبَشِّراٗ وَنَذِيراٗ وَدَاعِياً اِلَي اَ۬للَّهِ بِإِذْنِهِۦ وَسِرَاجاٗ مُّنِيراٗۖ﴾ (الأحزاب 45-46).
وقوله: ﴿اَ۟دْعُ إِلَيٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ اِ۬لْحَسَنَةِ وَجَٰدِلْهُم بِالتِے هِيَ أَحْسَنُۖ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۖۦ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَۖ﴾ (النحل: 125).
وقوله: ﴿وَأَطِيعُواْ اُ۬للَّهَ وَأَطِيعُواْ اُ۬لرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَيٰ رَسُولِنَا اَ۬لْبَلَٰغُ اُ۬لْمُبِينُۖ﴾ (المائدة :92).
وقد أمر الله تعالى المؤمنين بما أمر به سيد المرسلين في قوله سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَٰٓئِرَ اَ۬للَّهِ وَلَا اَ۬لشَّهْرَ اَ۬لْحَرَامَ وَلَا اَ۬لْهَدْيَ وَلَا اَ۬لْقَلَٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ اَ۬لْبَيْتَ اَ۬لْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاٗ مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰناٗۖ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ اَن صَدُّوكُمْ عَنِ اِ۬لْمَسْجِدِ اِ۬لْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْۖ وَتَعَاوَنُواْ عَلَي اَ۬لْبِرِّ وَالتَّقْو۪يٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَي اَ۬لِاثْمِ وَالْعُدْوَٰنِۖ وَاتَّقُواْ اُ۬للَّهَۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ شَدِيدُ اُ۬لْعِقَابِۖ﴾ (المائدة: 2).
ومدح الله القائمين بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الذين أخطأوا طريق الحسنات، وغشيتهم فتنة الشبهات والشهوات في قوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ا۟خْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِ وَتُومِنُونَ بِاللَّهِۖ وَلَوَ اٰمَنَ أَهْلُ اُ۬لْكِتَٰبِ لَكَانَ خَيْراٗ لَّهُمۖ مِّنْهُمُ اُ۬لْمُومِنُونَۖ وَأَكْثَرُهُمُ اُ۬لْفَٰسِقُونَۖ﴾. (آل عمران: 110).
إن أجل ما يستفاد من هذه الآية الشريفة؛ ارتباط خيرية هذه الأمة التي فضلها الله تعالى بحق الإيمان به، وبالإخلاص لشريعته، بواجب إظهار فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي جعلها الله تعالى من صفات الخالصين من عباده الذي يعرفون ما يسعدهم في آخرتهم، ويدركون ما يرفع أقدارهم يوم لقاء ربهم، في قوله: ﴿وَالْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَٰتُ بَعْضُهُمُۥٓ أَوْلِيَآءُ بَعْضٖۖ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ اَ۬لصَّلَوٰةَ وَيُوتُونَ اَ۬لزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ اَ۬للَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۖ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اُ۬للَّهُۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞۖ ﴾ ( التوبة 71 ).
أولا: معنى بالمعروف ودلالة المنكر
قال ابن فارس(ت395هـ) في مادة (عرف): «العين والراء والفاء أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تتابع الشيء متصلا بعضه ببعض، والآخر على السكون والطمأنينة. فالأول العرف: عرف الفرس. وسمي بذلك لتتابع الشعر عليه. ويقال: جاءت القطا عرفا عرفا، أي بعضها خلف بعض.
والأصل الآخر المعرفة والعرفان. تقول: عرف فلان فلانا عرفانا ومعرفة. وهذا أمر معروف. وهذا يدل على ما قلناه من سكونه إليه، لأن من أنكر شيئا توحش منه ونبا عنه»(2) .
وقال الراغب الأصفهاني(ت503هـ): «المعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع حسنه، والمنكر: ما يُنْكَرُ بهما. قال: ﴿يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِۖ ﴾ (آل عمران: 104)، وقال تعالى: ﴿وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِۖ وَانْهَ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِۖ﴾ (لقمان: 17)، ﴿وَقُلْنَ قَوْلاٗ مَّعْرُوفاٗ ﴾ (الأحزاب: 32)، ولهذا قيل للاقتصاد في الجود: معروف، لما كان ذلك مستحسنا في العقول وبالشرع. نحو: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيراٗ فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِۖ﴾ (النساء: 6)، ﴿إِلَّا مَنَ اَمَرَ بِصَدَقَةٍ اَوْ مَعْرُوفٍ﴾ (النساء: 114)، ﴿وَلِلْمُطَلَّقَٰتِ مَتَٰعُۢ بِالْمَعْرُوفِۖ﴾ (البقرة: 241)، أي: بالاقتصاد والإحسان، وقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ اَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٖۖ﴾ (الطلاق: 2)، وقوله: ﴿قَوْلٞ مَّعْرُوفٞ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٞ مِّن صَدَقَةٖ﴾(البقرة: 263)، أي: رد بالجميل ودعاء خير من صدقة كذلك، والعرف: المعروف من الإحسان»(3).
وحقيقة أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جهة العمل عند العلامة الطاهر بن عاشور؛ أن «المعروف هو ما يعرف، وهو مجاز في المقبول المرضي به، لأن الشيء إذا كان معروفا كان مألوفا مقبولا مرضيا به، وأريد به هنا ما يقبل عند أهل العقول، وفي الشرائع، وهو الحق والصلاح، لأن ذلك مقبول عند انتفاء العوارض.
والمنكر مجاز في المكروه، والكره لازم للإنكار، لأن المنكر في أصل اللسان هو الجهل ومنه تسمية غير المألوف نكرة، وأريد به هنا الباطل والفساد، لأنهما من المكروه في الجبلة عند انتفاء العوارض.
والتعريف في (الخير، والمعروف، والمنكر) تعريف الاستغراق، فيفيد العموم في المعاملات بحسب ما ينتهي إليه العلم والمقدرة فيشبه الاستغراق العرفي.
ومن المفسرين من عيَّن جعْل (من) في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمُۥٓ ﴾ (آل عمران: 105) للبيان، وتأول الكلام بتقدير تقديم البيان على المبين فيصير المعنى: ولتكن أمة هي أنتم، أي: ولتكونوا أمة يدعون، محاولة للتسوية بين مضمون هذه الآية، ومضمون قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ا۟خْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (آل عمران: 110) الآية. ومساواة معنيي الآيتين غير متعينة لجواز أن يكون المراد من خير أمة هاته الأمة، التي قامت بالأمر بالمعروف، على ما سنبينه هنالك»(4).
ثم قال: «والآية أوجبت أن تقوم طائفة من المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا شك أن الأمر والنهي من أقسام القول والكلام، فالمكلف به هو بيان المعروف، والأمر به، وبيان المنكر، والنهي عنه، وأما امتثال المأمورين والمنهيين لذلك، فموكول إليهم أو إلى ولاة الأمور الذين يحملونهم على فعل ما أمروا به، وأما ما وقع في الحديث: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه»(5) فذلك مرتبة التغيير، والتغيير يكون باليد، ويكون بالقلب، أي: تمني التغيير، وأما الأمر والنهي فلا يكونان بهما. والمعروف والمنكر إن كانا ضروريين كان لكل مسلم أن يأمر وينهى فيهما، وإن كانا نظريين، فإنما يقوم بالأمر والنهي فيهما أهل العلم. وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروط مبينة في الفقه والآداب الشرعية، إلا أني أنبه إلى شرط ساء فهم بعض الناس فيه وهو قول بعض الفقهاء: يشترط أن لا يجر النهي إلى منكر أعظم.
وهذا شرط قد خرم مزية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واتخذه المسلمون ذريعة لترك هذا الواجب. ولقد ساء فهمهم فيه إذ مراد مشترطه أن يتحقق الأمر أن أمره يجر إلى منكر أعظم، لا أن يخاف أو يتوهم، إذ الوجوب قطعي لا يعارضه إلا ظن أقوى. ولما كان تعيين الكفاءة للقيام بهذا الفرض، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لتوقفه على مراتب العلم بالمعروف والمنكر، ومراتب القدرة على التغيير، وإفهام الناس ذلك، رأى أيمة المسلمين تعيين ولاة للبحث عن المناكر وتعيين كيفية القيام بتغييرها، وسموا تلك الولاية بالحسبة»(6).
ومن نظر في شرائع الإسلام، وتأمل موجبات صحيح التدين عند الخاص والعام، انفصل إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو القطب الأعظم في الدين، والركن الأهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، وهو مشروع الأنبياء الأكبر، وعنوان خيرية هذه الأمة الأشهر، وهو فسطاط شعب تدينها، وشاهد قيامها بحق أماناتها، ودليل تمسكها على مبادئها واختياراتها، وعاصمها من وقوع التَّشَرُّرِ والتفاسد فيها، ودليل كرامتها على ربها، وحجة شهادتها على غيرها، التي كانت عليها أيام دهرها؛ تمثيلا لهدي نبيها، وأداء لحق رسالتها، وخدمة لعالمية دعوة ربها، وتزيينا لقيمها ومكارم رسالتها، والتزامها بمقتضيات حلالها وحرامها؛ الذي كمل به الدخول في الصراط المبرور، وتم بسببه فضل الإخراج إلى النور، المنصوص عليه في قول سبحانه وتعالى في حقها، المبين عن قدرها، والمسفر عن سر فضلها: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ا۟خْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِ وَتُومِنُونَ بِاللَّهِۖ ﴾ (آل عمران: 110).
ولأجل ذلك جعلها الله تعالى أحد مقاصد البعثة الكبرى، وغايات تلك الرسالة العظمى التي جُمعت مفرداتها المرتبة، وعُينت بنودها المحددة، في قول الله تعالى: ﴿اَ۬لذِينَ يَتَّبِعُونَ اَ۬لرَّسُولَ اَ۬لنَّبِےٓءَ اَ۬لُامِّيَّ اَ۬لذِے يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِے اِ۬لتَّوْر۪يٰةِ وَالِانجِيلِ يَامُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْه۪يٰهُمْ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ اُ۬لطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اُ۬لْخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمُۥٓ إِصْرَهُمْ وَالَاغْلَٰلَ اَ۬لتِے كَانَتْ عَلَيْهِمْۖ فَالذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ اُ۬لنُّورَ اَ۬لذِےٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْمُفْلِحُونَۖ﴾(الأعراف: 157)؛ وجعله سبحانه من أظهر أوصاف المؤمنين وأخصها في قوله: ﴿وَالْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَٰتُ بَعْضُهُمُۥٓ أَوْلِيَآءُ بَعْضٖۖ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ اَ۬لصَّلَوٰةَ وَيُوتُونَ اَ۬لزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ اَ۬للَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۖ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اُ۬للَّهُۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞۖ ﴾ (التوبة: 71).
وقوله: ﴿اُ۬لتَّٰٓئِبُونَ اَ۬لْعَٰبِدُونَ اَ۬لْحَٰمِدُونَ اَ۬لسَّٰٓئِحُونَ اَ۬لرَّٰكِعُونَ اَ۬لسَّٰجِدُونَ اَ۬لَامِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِ وَالْحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ اِ۬للَّهِۖ وَبَشِّرِ اِ۬لْمُومِنِينَۖ﴾ (التوبة: 112). وجعله أساس إقامة الخلافة في الأرض التي تشكر بها نعمة التمكين المظهرة لفضيلة العدل وكرامة الإنصاف وشرف العيش السعيد، والارتفاق الرشيد، الذي تحمى فيها الحقوق على اختلافها _حقوق الله وحقوق النفس، وحقوق الأغيار _ وتؤدى الواجبات وتنتظم العلاقات وتنضبط التصرفات، وتحمى المقتنيات والممتلكات، وتشيع الحريات في شتى المجالات، ليتحقق التمكين في الأرض بشرطه الشرعي المنصوص عليه في قوله تعالى: ﴿اِ۬لذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمْ فِے اِ۬لَارْضِ أَقَامُواْ اُ۬لصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ اُ۬لزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِۖ وَلِلهِ عَٰقِبَةُ اُ۬لُامُورِۖ﴾ (الحج: 41).
كما جعله النبي صلى الله عليه وسلم شرطا في التحقق بالصدق في الانتساب لحنيفيته، وسببا للدخول في سَلْمِ شرعته في قوله: «ليس منا من لم يوقر الكبير، ويرحم الصغير ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر»(7).
كما عده شرطا في البيعة الشرعية المتوارثة المنجحة، القائمة على صيانة المفترضات، وأداء حقها في مقاصد الاعتقادات وغاية العمليات؛ كما يدل على ذلك قول جابر بن عبد الله: «مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة سبع سنين، يتتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة والمواسم بمنى، يقول: «من يؤويني وينصرني حتى أبلغ رسالات ربي؟»، حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مصر فيأتيه قومه، فيقولون: احذر غلام قريش، لا يفتنك، ويمشي بين رحالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله من يثرب، فآويناه وصدقناه، فيخرج الرجل منا ويؤمن به ويقرئه القرآن، وينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا فيها رهط من المسلمين، يظهرون الإسلام، ثم إنا اجتمعنا، فقلنا: حتى متى نترك النبي صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخاف؟، فرحل إليه منا سبعون رجلا، حتى قدموا عليه في الموسم فواعدناه بيعة العقبة، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين، حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يقولها لا يبالي في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني، وتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة»، فقمنا إليه فبايعناه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو من أصغرهم، فقال: رويدا يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن إخراجه اليوم منازعة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أن تصبروا على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم جبنا، فبينوا ذلك فهو أعذر لكم، فقالوا: أمط عنا فوالله لا ندع هذه البيعة أبدا، فقمنا إليه، فبايعناه، فأخذ علينا، وشرط أن يعطينا على ذلك الجنة»(8).
وهذا الشرط إذا أُدي بحقه، ونزل بموجبه، هو الذي يصير التدين أمانا من حرج المساءلة عن حق الديانة يوم المجازاة، كما يفهمه قول عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم، أن نهارا العبدي وكان ساكنا في بني النجار، حدثه، أنه سمع أبا سعيد الخدري يذكر أنه، سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله جل وعلا يسأل العبد يوم القيامة حتى إنه ليقول له: ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقن الله عبدا حجته، يقول: يا رب، وثقت بك وفرقت من الناس أو فرقت من الناس ووثقت».(9)
لتضمن على الله تعالى السلامة من المعاجلة بالنقمة، وتأمن سطواته الممحقة لبركة النعمة، بسبب تعطيل هذا الأصل الذي يقوم الدين على أساسه، وهجر هذا الركن المتفرد في بنائه، الذي تظهر به مكارم الأخلاق التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، وتتجلى بسببها معالم المعالي التي قام بها -شرفه الله وعظم-. قال تعالى في ذلك: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ اَ۬لْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمُۥٓ أُوْلُواْ بَقِيَّةٖ يَنْهَوْنَ عَنِ اِ۬لْفَسَادِ فِے اِ۬لَارْضِ إِلَّا قَلِيلاٗ مِّمَّنَ اَنجَيْنَا مِنْهُمْۖ وَاتَّبَعَ اَ۬لذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَۖ ۞ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ اَ۬لْقُر۪ىٰ بِظُلْمٖ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَۖ﴾ (هود:116-117).
وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعا»(10).
وقال أيضا: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم»(11).
وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده إن المعروف والمنكر خليقتان ينصبان للناس يوم القيامة، فأما المعروف: فيبشر أصحابه ويوعدهم الخير، وأما المنكر فيقول: إليكم إليكم وما يستطيعون له إلا لزوما »(12).
وعن قيس بن أبي حازم قال: قام أبو بكر رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمُۥٓ أَنفُسَكُمْۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اَ۪هْتَدَيْتُمُۥٓۖ﴾(المائدة: 105)، وإنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، أوشك أن يعمهم الله بعقابه»(13).
ثانيا: مؤسسة العلماء وقيامها بركن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
نهضت مؤسسة العلماء بروح هذا الأصل بشرطه الشرعي المطلوب علما وعملا وتنزيلا، مستوفيا لشرطه الذي أناطت به في مؤسستها، الشخص المأذون له، المقتدى به، الذي عرف ربه بيقين فخشيه، وعرف ما أراد منه فعمله، وعرف ما يخرجه من دينه فتجنبه، وأحاط بحق أمته عليه فنفذه، رعيا لحق إمارة المؤمنين وأداء لأمانات الدين، وعلم المنكر منكرا، وجوز تأثير إنكاره، وجوز زوال الخوف عن نفسه، وتحقق أن لا يكون في إنكاره مفسدة تؤثر على تماسك الجماعة، وتناغم اختياراتها.
إن وعي مؤسسة العلماء بحق أمانة البلاغ القائمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يفرض عليها استشعار واجبها نحو أمتها، بحق عهدها وعقدها وروح ائتمانها، حماية وتنمية ونفيرا دائما، يرصد كل أنواع المنكرات المشوشات التي تقصف بها ثوابت الأمة وترمى بها اختياراتها، ويعالج التأثيرات السلبية على أمن المساجد واستقرارها، لحاظا لمفردات الأمر، واستبصارا بمقتضيات النهي، والوعي بالمتفق عليه من الاجتهادات، والاستحضار للمختلف فيه من المقولات، والوعي بمراتب الأولويات، والفقه بأوجه التنزيلات وما يقتضيه حق المآلات، مع التلبس برحمة الناس، وحب إيصال ما علم لهم من صحيح الخير بدلالتهم على أنواع البر بالحكمة، وحسن الخطاب المنتقى في جميل السياق بما يشوق الموعوظ لقول الحق والعمل به، والدعوة إليه، وترك كل ما يخالف ما ظهر من الحق في حجته المرتبطة بالوحي نصا أو استباطا، أو اجتهادا، يراعى فيها قوله تعالى: ﴿وَمَنَ اَحْسَنُ قَوْلاٗ مِّمَّن دَعَآ إِلَى اَ۬للَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحاٗ وَقَالَ إِنَّنِے مِنَ اَ۬لْمُسْلِمِينَۖ *وَلَا تَسْتَوِے اِ۬لْحَسَنَةُ وَلَا اَ۬لسَّيِّئَةُۖ اُ۪دْفَعْ بِالتِے هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا اَ۬لذِے بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞۖ * وَمَا يُلَقّ۪يٰهَآ إِلَّا اَ۬لذِينَ صَبَرُواْۖ وَمَا يُلَقّ۪يٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖۖ ﴾ (فصلت: 33-35).
وأمر مشيخة العلماء في مجموع مجالسها العاملة، ابتغاء شرائط هذه الأحسنية، على أساس فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المشترطة لخيرية الأمة في قوله: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمُۥٓ أُمَّةٞ يَدْعُونَ إِلَى اَ۬لْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْمُفْلِحُونَۖ﴾ ( آل عمران: 104).
قال حجة الإسلام الإمام الغزالي(ت505هـ): «ظاهر الأمر أي في هذه الآية الإيجاب وفيها بيان أن الفلاح منوط به إذ حصر، وقال: ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْمُفْلِحُونَۖ﴾، وفيها بيان أنه فرض كفاية لا فرض عين وأنه إذا قام به أمة سقط الفرض عن الآخرين إذ لم يقل كونوا كلكم آمرين بالمعروف بل قال ولتكن منكم أمة فإذا مهما قامت به واحد أو جماعة سقط الحرج عن الآخرين واختص الفلاح بالقائمين به المباشرين وإن تقاعد عنه الخلق أجمعون عم الحرج كافة القادرين عليه لا محالة وقال تعالى: ﴿۞لَيْسُواْ سَوَآءٗۖ مِّنَ اَهْلِ اِ۬لْكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتْلُونَ ءَايَٰتِ اِ۬للَّهِ ءَانَآءَ اَ۬ليْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَۖ ١١٣ يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اِ۬لَاخِرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِے اِ۬لْخَيْرَٰتِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ مِنَ اَ۬لصَّٰلِحِينَۖ ١١٤﴾(14) فلم يشهد لهم بالصلاح بمجرد الإيمان بالله واليوم الآخر حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقال تعالى: ﴿وَالْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَٰتُ بَعْضُهُمُۥٓ أَوْلِيَآءُ بَعْضٖۖ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ اَ۬لصَّلَوٰةَ﴾(15) فقد نعت المؤمنين بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فالذي هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خارج عن هؤلاء المؤمنين المنعوتين في هذه الآية وقال تعالى: ﴿لُعِنَ اَ۬لذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِےٓ إِسْرَآءِيلَ عَلَيٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَي اَ۪بْنِ مَرْيَمَۖ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَۖ ٨٠ كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۖ لَبِيسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَۖ ٨١﴾(16) وهذا غاية التشديد إذ علل استحقاقهم للعنة بتركهم النهي عن المنكر»(17).
إن من المواقف المجيدة التي تميز المتكلم في الشأن الديني التي ترعاه مشيخة العلماء؛ النفرة الدائمة في القيام بحق هذا الأصل بانتهاج نهج التدليل على تضمينه في السيرة النبوية المنهجية، والأحكام الشرعية العملية، والقواعد الكلية الضرورية، والمقاصد الدينية التوحيدية والتعبدية، والمبادئ الأخلاقية السلوكية، والقيم الخوالد الموجهة لروح هذا الأصل الذي يقوم على أساسها، وفلسفة هذا الركن الذي يتجمل بتنزيلها، ويتجلى بحق التواصي على إعمالها، والتناصر على إظهار آثارها، بواجباتها ومسئولياتها وجزاءاتها، في أفق تحقيق غايات البعثة الجليلة، وتنزيل أهداف الرسالة المجيدة، في مجالات المعرفة والتزكية والتنمية، وخلق النموذجية السلوكية المؤسسة على العدل والإنصاف، أساس التدين الزكي، وعنوان التخلق السني، الذي بعث النبي صلى الله عليه وسلم لإتمام معالمه، وأُرسل لتحديد معاليه ومكارمه تنظيرا وتنزيلا.
ثم النظر عند إعمال هذه الكليات المتميزة بعين مصلحة الأمة، وملاحظة شروط هويتها، وتبصر بنود تواصل الاقتداء المنهجي فيها، إذ مصلحته الاعتبارية جزء لا يتجزأ من المصلحة العامة للأمة، التي ينبغي أن يصدقها علمه وعمله وربانيته وخلقه ونفعه ومثاليته، وتقديره المتجدد لثوابت وطنه، وتوقيره لأصول اجتماع دولته التي اختارها أهل العقل فيه عن آباء كرام لهم سلف على علم، وأوقعوا عليها الإجماع المتوارث عن فهم، ثم إعمال واجب الصدور عنها في التخلق والتضامن والتعليم والتدريس والتكوين والتأليف والحجاج، حتى يؤدي المتكلم في الدين حقا في الخدمة لها، ويستبقي طيب آثارها الدهر كله، ويظهر لخيرها الوقت أجمعه، فيعلم المكلفون حاله معها فيما نيط به من المهام، ويستشعروا ضرورتها في الأمر الخاص والعام المجتمعية؛ للإبقاء على فضيلة الاجتماع الواعي المصلح لأفراد الجماعة، والمزين لصورتها والمحقق لأمنها واستقرار محيطها الذي ينفي بطبع تخلقه الرشيد مقولات النابتات المغامرة، ومسلمات الفئات المقامرة، التي اعوجت عن صراطها، وضَلَعَت عن عِمادها، وهي: العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السني، وإمارة المؤمنين المعدودة في الخصوصيات الدينية التي تميز بها المغاربة عن سائر التجمعات الإسلامية، وانفردوا بها عن نظم الحكم في التجمعات العالمية.
إن من ميزات المتكلم في الدين المأذون له في الكلام فيه من مشيخة العلماء؛ أن يكون دوما مراعيا لهذا الأصل - أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - الذي يوجب عليه أن يختار مساندة مؤسسة العلماء، ومؤازرة مشيخة الفقهاء، التي تحفظ بها إمارة المومنين اختصاصها المشترط في البيعة للوفاء بواجب حماية الملة، وفرض تأمين تنزيل فروض الدين، وصون الأمن الروحي للمواطنين، مشاركا ما أطاقه درعه، وتحمله وسعه، في تنفيذ برامجها التعليمية، والتكوينية، والتزكوية، والتنموية، والتصحيحية، والتقويمية، والحمائية، والزجرية… حريصا على تأييدها في حماية مشمولات العقيدة، وفروض العبادة، ومكارم الأخلاق، من خلال رفع المساجد من مغامرات المشوشين، وتشغيبات المفتونين، وتنميتها بمتطلبات اليقين الواجب في الدين، دفعا لاحتياج النقص عن المتكلمين في شرائط التنزيل، ودرءا للجهالات عن متمثلي شعب الكدح إلى رب العالمين.
... وهذا يستدعي من اللبيب التجرد للذب عن دين قومه، وأن يكون أكثر قربا منهم، وأوثق صلة بهم، وأشد عناية وتفقدا لأحوالهم، ليكون مفتاحا لأبواب البر، دليلا على الخير، مغلاقا للشر، متصديا لأسباب الفتن، موئدا لها في المهد، بعيدا كل البعد عن التجاذبات السياسية التي تحكمها الاجتهادات الجزئية، صارفا نظره عنها إلى السياسة الكبرى الجامعة في يقين بمكانته، وسياقه وتاريخه، قائما بواجب البلاغ الذي لا يستثني أحدا كيف ما كان اختياره، مؤديا واجب النصح بحسن الإرشاد وجميل التوضيح وصحيح التأصيل الذي يدفع كل أنواع التشويش الممارس عليهم من قبل الفتانين، متحققا بالقدوة الجاذبة رأس الأمر في نجاح مهمته التي ينوب فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويساند بها إمارة المومنين في حماية الملة والدين المشترطة في البيعة الشرعية المتجددة. مستحضرا الواقع الاجتماعي والسياسي الحالي من جهة عولمة تصور الحياة والحقوق الخاصة حتى يحسن الفهم، ويصيب مواقع الحق في طرق التنزيل، ويأمن من أن يوقع الناس في الإذلال أو ينغص عليهم معاشهم بتكليفهم ما لا يستطيعون، أو يعرضهم للبلاء الذي لا يطيقون.
وهذا الوعي يرفع عنه الحرج في إظهار انتسابه، من خلال ما يقضيه مجال عمله الدعوي من تأصيل المواقف الوطنية الرائدة المتعلقة بالدولة، أو بجليل أحداثها، أو مواقف رجالها، أو واجبات مواسمها، أو ما يتعلق باختياراتها وثقافتها ولغتها وخط كتابها وَزَبْر أعرافها، وشكل لباسها، وفن عمارة مساجدها، وإرث خطابها وعوائدها وعربية أرقامها، وجلال أيام الله تعالى فيها التي تمثل التراث اللامادي الأصيل الذي يميز التاريخ المغربي عن كثير من شعوب هذا العالم الفسيح.
وأن يثبت في نفوس الناشئة هذه الخصوصيات الممثلة للشخصية المغربية المجسدة لعلمها العملي الحقيقي المطبوع بطابع التوارث الذي لا تؤثر عليه العولمة ولا قذائف المشوشات، كلما حان حينها أو وجد داعيها أو دعت المؤسسة العلمية إليها أو ألزمت الوزارة الوصية - وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - بتناولها أو إحياء رسمها أو إذاعة ما تصطفيه من المنشورات الزمنية المحددة فيها، دون الشعور بأدنى حرج يراعي فيه المستضعف من المتكلمين في الدين اختيارات بعض الفئات المرتبطة بغير أمتها التي يضيرها الحديث في ذلك، ويسوؤها تناوله على المنابر وتصنف المذكر بها تصنيفا خاصا لا برهان له، يدل بادي الرأي على ضعف المواطنة، وغياب الوعي، وانعدام الانتماء، وسوء الفهم وقبح التقدير لعواقب الأمور.
وهذا يوجب على كل الأطراف الدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية الفاعلة المنتسبة بصادق الانتماء لهذه الأمة الموكولةِ لها اختصاصات متعددة بمقتضى القانون، أن تُعمل أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالاستمساك بعرى الثوابت الدينية والوطنية، أصل الميثاق الاجتماعي للجسم السياسي الذي يمتلك سيادة مطلقة على جميع المؤسسات، وسلطة ظاهرة على جميع الأفراد والهيآت، كما يلزمها بأن لا تتبنى أي تصرف من شأنه أن يشوش على أحكام الدين، أو يضاد أعراف المواطنين، وأن تلتزم حياد الشأن الديني، ولا سيما في المساجد والمصليات، والزوايا والرباطات، وعدم إقحامها فيما اختلفت فيه مسالك الرؤيا في اجتهادات السياسات الصغرى، التي تتجلى في التنافس على التمثيلية عبر استحقاقات الانتخابات، وتعاطي التنافسات الـمُقَدِّمات؛ لكن ينبغي لها أن تجعل هذه الانتخابات وسيلة ناجعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحث على أن لا يتقدم للانتخابات إلا المؤهل، وأن هذا المؤهل عليه أن يكون عارفا بمقتضى مسؤولياته، وفيا لأماناته، ملتزما بما عاهد عليه أبناء جماعته. كما ينبغي حث الجماعة على اختيار الأفضل ومعاقبة من أساء، منبهة إلى صوتها بتزكية أحد المرشحين شهادة مسؤولة يحاسب عليها محاسبة عسيرة من وضعها في غير حقها، وأعطاها لمن علم ضعفه، وأدرك سابقته، وأيقن أنه ليس أهلا لما ترشح له علما وخلقا وتواصلا، ودفعا لما يشوش على سكينة الجماعة، ويعوص صلاتها.
وهي بمقتضى الدستور مسئولة مسؤولية معنوية أمام العلماء بشأن القيام بما يضمن سلامة الدين على مستوى شروطه، ولاسيما ما يخص ضمان الأمن، وما يخص محاربة وطأة الفقر، وخساسة الجهل، وشناعة الظلم وغيرها من الآفات التي تعكر صفاء رسوم الدين، وسمعة مجتمع اليقين.
وهذا الاستمساك الجماعي المتساند على تقدير هذه الكليات الجامعة التي تصدر عنها التصرفات المسترشدة بنطق الإمامة العظمى وما يليق بها، سيحفظ الوحدة الاجتماعية المؤصلة، وسيجعل هذه الأمة -إن صدق أفرادها والقائمون على سائر مؤسساتها التي ينظم عملها الدستور-ـ في المستقبل القريب إن شاء الله تعالى من أحسن الأمم وراثة، وأعظمها وفاء، وأكثرها عطاء، وأبرها صلة، وأكثرها استنارة، وأسدها حكمة، وأسماها مقاما.
وتـتـذرع المشيخة التي انتهت إليها الصفة في العلم بمقاصد الدين، بكل ما أوتيت من وسائل متاحة كالمساجد، والمعاهد، ومنابر الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي؛ بمسلك الحكمة والموعظة الحسنة وحسن الأدب، ولين الكلام، والتنفيس في إدراك الرحمة، وبلوغ المطلوب من نصح التوبة .. لإحسان التنزيل، وابتغاء حسن التمثيل، مع التذرع بفضيلة الستر الذي كان يعبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا. والحذر الشديد من أن يؤدي إنكار المنكر إلى ما هو أكبر منه.
إن من مقتضيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند مشيخة العلماء، مواجهة المنغضات على المعروف، والمشوشات على جمال العرف المألوف، المتمثلة في الفقر المضني، والجهل المعيي، والمرض المفني، وسوء الخلق المخزي، والتحدي المهلك، والجرم المقلق… والرضا بكل مستبشع يتعاطى بالعين أو اليد أو بالرّجل، من اللهو والقسوة والإصرار، وتقصد تناول ما لا يجوز من الأعمال، والمشي إلى ما يقبح من الفعال، والاستلذاذ بما يزين من قبيح الأقوال، وما تَشَرَّرَ من مستشنع الخصال الذي يحول دون تحقق واجب خدمة وحدة الأمة في جوامعها، ويصدف عن أداء حق إسنادها في ثوابتها واختياراتها، درءا لفتنة التخالف ونأيا بالنفس عن تحمل إثم فك التآلف، والتوحد العملي الروحي، والترابط الأخوي الجمعي الذي لا يتم على وجهه في ارتفاقات الناس، وبِيَاعاتهم وضروب علاقاتهم، إلا بتقدير منظومة الثوابت الوطنية التي اختارها المغاربة على علم، وأوقعوا عليها الإجماع، وهي: العقيدة الأشعرية، عقيدة أهل السنة والجماعة المتسمة بالوسطية والاعتدال، والمناهضة للغلو والتشدد، سواء في تأويل النصوص أو حملها على ظاهرها، والتي لا تكفر أحدا من أهل القبلة بذنب.
والمذهب المالكي أحد المذاهب الفقهية المعتمدة في العالم الإسلامي في أصول الاعتقادات ورسوم العبادات والمعاملات، الذي يتميز بمرونته، وواقعيته، وسعة مصادره، وتعدد أصوله، وقابليته للتجدد ومواكبة أحوال الناس والعصر، كاعتماده المصلحة المرسلة، ومراعاة المصالح العامة والخاصة في حال عدم ورود النص، واعتبار أعراف البلد وما جرى به عمل أهله ما لم يخالف نصا شرعيا، واعتماده عمل أهل المدينة.
والتصوف السني الذي اختاره المغاربة لتوحيد ربهم، وذكر جناب سيدهم، وتعزير مقام إمامهم، وتمثيل هدي مثالهم، وتزكية نفوسهم، وتهذيب سلوكهم وضبط علاقاتهم على طريقة الإمام الجنيد بن محمد البغدادي رحمه الله (ت297هـ) إمام هذه التربية الروحية، وقطب رحاها وقدوة أهلها.
وإمارة المؤمنين الممثل الأسمى للأمة، وسلطة المسلمين العامة الرقيبة على القيم العليا، المعدودة في الخصوصيات الدينية التي تميز بها المغاربة عن كثير من الشعوب الإسلامية، وانفردوا بها عن نظم الحكم في التجمعات العالمية، لتحقيق مقصد الاجتماع والاستقرار، وتنفيذ واجب الاقتداء بالسلف خُلْصَان الأمة في ممارستهم لشعائر دينهم عبر القرون، وتثبيت الوحدة في مجموع ربوعهم في مختلف السنين، وتحصين مجتمعهم من بلية التفرق، وحمايتهم من رزية التمزق، التي ابتليت بها كثير من المجتمعات، بسبب إخطائها منهج التوحد على المتوارث الذي كان عليه الأولون من مشايخ العلم، المقتدى بهم فيما اختصوا به من المعارف الملية، وآلات العلوم الدينية النقلية والعقلية والحسية والجامعة بين العقل والحس، التي كانوا بها علماء، نُجَداء، جُوَداء، رُحَماء سُجَراء .
خاتمة
إن عنوان الإخلاص لشعبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند مشيخة العلماء يستلزم حفظ المقاصد والدلالة على المراشد، من خلال التثبيت لمعانيها، والتقريب لمبانيها، والاجتهاد في خدمتها بمراتبها، والاتحاد على حماية معالمها، والاستنصار على تنمية مكارمها، حتى يصح للناس اعتقادهم، ويقبل تدينهم، ويستبان رشدهم، ويستقيم سلوكهم، ويعتدل معاشهم، ويطيب كسبهم، ويتسع تراحمهم، ويزكو تواصلهم، وتتثبت وحدتهم، ويأمن وطنهم، ويخيب عدوهم، في أفق إطابة حياة الناس كل الناس الذين حرروا أنفسهم من شر الوسواس، الإطابة التي هي غاية مقاصد القرآن الكبرى، وثمرة الاستجابة لدعوة الله المثلى التي قال الله تعالى في حقها: ﴿مَنْ عَمِلَ صَٰلِحاٗ مِّن ذَكَرٍ اَوُ ا۟نث۪ىٰ وَهُوَ مُومِنٞ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗ وَلَنَجْزِيَنَّهُمُۥٓ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَۖ﴾ (النحل: 97).
إن الحياة الطيبة التي تخدمها شعبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ هي الحياة الحقيقية التي وعد الله تعالى بها عباده المؤمنين المتفاعلين مع صنوف الصالحات بيقين، والتي شرط الله تعالى شرطين أساسين هما: الحسن الفعلي، والحسن الفاعلي، أي حسن الروح، وحسن العمل الذي يمليه صلاح هذه الروح، المؤهلة لبلوغ قدر المعدن النفيس المشار إليه في قوله صلى الله عليه وسلم: «…الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا فقهوا(18)».
وتطيب هذه الحياة بطيب سعي العيشة الأخرى بأخذ العرف بالتخلق المقيم للبر، والمنزه عن الشر باجتناب المستقبح من الأخلاق، والتشبه بمعاني أخلاق الخلاق، وما حصل عليه في القيم الاتفاق، والاتقاء في طلب الأرزاق، والتجمل بزينة الزهادة وابتغاء حقيقة السعادة القائمة على أداء حق الأمر، وتطلب مسالك الخير، كما تفيد مجموع ذلك قول لقمان الحكيم لابنه: «يا بني من لا يملك لسانه يندم، ومن يكثر المراء يشتم، ومن يدخل مداخل السوء يتهم، ومن يصحب صاحب السوء لا يسلم، ومن يصحب الصاحب الصالح يغنم، ومن طلب عزا بغير عز يجد الذل جزاء بغير ظلم، ومن أردى الأخلاق للدين حب الدنيا والشرف، ومن حب الدنيا والشرف يستحل غضب الله، وغضب الله الذي لا دواء له إلا رضوان الله تعالى، ومن أعون الأخلاق على الدين الزهادة في الدنيا، ومن يزهد في الدنيا يعمل لله تعالى، ومن يعمل لله تعالى يأجره الله عز وجل(19)».
والحمد لله رب العالمين
________________________________________
- (1) . إحياء علوم الدين، 2:306، بتصرف يسير.
- (2) . معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، تحقيق عبد السلام هارون، مطبعة مصطفى الباني الحلبي، مصر، ط-2- 1392هـ/ 1972، 4/281.
- (3) . مفردات القرآن، الراغب الأصفهاني، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط-3- 2008، ص 371.
- (4) . التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور، دار ابن حزم، بيروت، ط-1- 1443هـ/2021م، 2 /288.
- (5) . صحيح مسلم، باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، 69/1.
- (6) . التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور 2 /289.
- (7) . مسند الإمام أحمد، مسند بني هاشم، مسند عبد الله بن العباس، رقم: 2329.
- (8) . مسند أحمد، مسند جابر بن عبد الله رضي الله عنه، رقم: 14456، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروتن ط1- 1416هـ/ 1995م، 25 /346.
- (9) . سنن ابن ماجة، كتاب الفتن، باب: قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم، رقم: 4017.
- (10) . صحيح البخاري، كتاب الشركة، باب: هل يقرع في القسمة والاستهام فيه، رقم: 2493.
- (11) . سنن الترمذي، أبواب الفتن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رقم: 2169.
- (12) . مسند الإمام أحمد، أول مسند الكوفيين، رقم، 19487.
- (13) . سنن ابن ماجة، كتاب الفتن، باب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رقم: 4005.
- (14) . آل عمران، الآية: 114-113.
- (15) . سورة التوبة، الآية: 72.
- (16) . سورة المائدة، الآية: 81-80.
- (17) . إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي 2 /333 - 334.
- (18) . صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب: قوله تعالى: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى»، رقم: 3495 - 3496.
- (19) . الدرة الخريدة شرح الياقوتة الفريدة، محمد فتحا بن عبد الواحد السوسي، تحقيق: عبد اللطيف عبد الرحمن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط-1- 1998م، 1 /203.




