You may also like
Page 4 of 5
لقد شغل حدث الهجرة النبوية حيزا مهما في سيرة الرسول الكريم، لما له من أهمية بالغة في تاريخ الإسلام عموما من جهة، ولكثرة المستفادات المستخلصة منه من جهة أخرى.
وسنواصل في هذه الحصة الحديث عن هذه المستفادات بإيراد مستفادين اثنين، يتعلق الأول بالتنظيم والتخطيط، ويرتبط الثاني بطبيعة العمران في الإسلام.
_ حسن التنظيم والتخطيط:
كان النبي صلى الله عليه وسلم دارسا للميدان، عالما بالتحديات التي تجابه مشروعه، وبخطط أعدائه، لذلك سلك طريق التدبير المحكم، والتخطيط المتقن، من خلال جملة تدابير وإجراءات، فقد “كتم أسرار مسيره، فلم يطلع عليها إلا من لهم صلة ماسة، ولم يتوسع في إطلاعهم إلا بقدر العمل المنوط بهم. وقد استأجر دليلا خبيرا بطريق الصحراء؛ ليستعين بخبرته على مغالبة المطاردين، ونظر في هذا الاختيار إلى الكفاية واحدها، فإذا اكتملت في أحد ولو مشركا- استخدمه وانتفع بموهبته”[1].
ومنها إشراك مختلف فئات المجتمع في الهجرة تعبيرا منه صلى الله عليه وسلم بصنيعه هذا عن رغبة رعيته وطموحها للإصلاح والتغيير، فقد شاركت المرأة والرجل، وحضر الصغير والكبير، كما المؤمن والكافر، كما وزع الأدوار، ونظم الاختصاصات، وحدد المسؤوليات …
قال ابن هشام: “قال ابن إسحاق: فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج أتى أبا بكر بن أبي قحافة فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته، ثم عمد إلى غار بثور – جبل بأسفل مكة – فدخلاه، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله بن أبي بكر أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر، وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما، يأتيهما إذا أمسى في الغار. وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما”[2].
إن المبلغين، وهم يؤدون أماناتهم التبليغية، يتعين عليهم أن ينظموا برامجهم التبصيرية، ويخططوا في إنجاز أنشطتهم التنويرية، بتحديد الغايات المرجوة، والأهداف المنشودة، والفئات المستهدفة، والطرق والوسائل المناسبة، والخطاب الملائم، وأولويات كل مرحلة بحسب المعطيات والتحديات، بما يضفي العلمية على رسالتهم التبليغية، ويخلصها من الارتجال والعشوائية.
_ طبيعة العمران في الإسلام:
لقد أبانت الهجرة النبوية، باعتبارها مرحلة التأسيس للدولة في الإسلام، عن طبيعة العمران الذي يسعى إلى تحقيقه المشروع النبوي، فقد كان أول ما أنجزه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بمجرد دخوله المدينة المنورة هو بناء المسجد، لما لهذه المؤسسة من وظيفة كبيرة في التربية والتزكية، وتهذيب الأخلاق، وصناعة القيم البانية.
إنه العمران الروحي الذي ذكره القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ اَ۬للَّهِ مَنَ اٰمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اِ۬لَاخِرِ وَأَقَامَ اَ۬لصَّلَوٰةَ وَءَاتَى اَ۬لزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اَ۬للَّهَ فَعَس۪ىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَنْ يَّكُونُواْ مِنَ اَ۬لْمُهْتَدِينَۖ﴾ [التوبة: 18].
قال البقاعي: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ اَ۬للَّهِ﴾: أي إنما يؤهل لذلك القرب ممن له الأسماء الحسنى والصفات العلى حساً بإصلاح الذات ومعنى بالتعظيم بالقربات من قمها وتنظيفها ورمّ ما تهدم وتنويرها بالمصابيح الحسية وبالمعنوية من الذكر والقراءة – ودرس العلم أجلّ ذلك – وصيانتها مما لم تبن له من أحاديث الدنيا”[3].
وفي مقابل المسجد أسس الرسول ﷺ السوق، وهو فضاء رحب للاستثمار الجالب للمال عصب الحياة المادية الممكن من تشييد العمران المادي رفعا للفقر والعوز والحاجة، وتحقيقا للأمن المادي بصنوفه المتنوعة من أمن غذائي، وأمن صحي، وأمن بيئي، وغيرها، مما يجلب الكرامة للإنسان، ويحقق له الكفاية والسعادة والطمأنينة.
وهذا النوع من العمران هو المشار إليه في قوله تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ اَ۬لَارْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيْهِۖ إِنَّ رَبِّے قَرِيبٞ مُّجِيبٞۖ﴾ [هود: 60].
قال الطاهر بن عاشور:” والاستعمار: الإعمار أي جعلكم عامرينها، فالسين والتاء للمبالغة كالتي في استبقى واستفاق. ومعنى الإعمار أنهم جعلوا الأرض عامرة بالبناء والغرس والزرع، لأن ذلك يعد تعميرا للأرض حتى سمي الحرث عمارة، لأن المقصود منه عمر الأرض”[4].
والمشار إليه أيضا في أحاديث شريفة منها حديث الفسيلة الذي قال فيه ﷺ: “إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل”[5].
قال بدر الدين العيني: “فيه فضل الغرس والزرع، واستدل به بعضهم على أن الزراعة أفضل المكاسب، واختلف في أفضل المكاسب، فقال النووي أفضلها الزراعة، وقيل أفضلها الكسب باليد، وهي الصنعة، وقيل أفضلها التجارة، وأكثر الأحاديث تدل على أفضلية الكسب باليد، وروى الحاكم في (المستدرك) من حديث أبي بردة قال: سئل رسول الله أي الكسب أطيب، قال: عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور، وقال هذا حديث صحيح الإسناد. وقد يقال هذا أطيب من حيث الحل، وذاك أفضل من حيث الانتفاع العام، فهو نفع متعد إلى غيره، وإذا كان كذلك فينبغي أن يختلف الحال في ذلك باختلاف حاجة الناس، فحيث كان الناس محتاجين إلى الأقوات أكثر كانت الزراعة أفضل للتوسعة على الناس، وحيث كانوا محتاجين إلى المتجر لانقطاع الطرق كانت التجارة أفضل، وحيث كانوا محتاجين إلى الصنائع أشد كانت الصنعة أفضل، وهذا حسن”[6].
وقد أدرك علماؤنا حاجة الأمة إلى هذا الضرب من العمران، فألفوا في ذلك مصنفات فريدة كأمهات المدونات الحديثية التي تضمنت كتبا في الموضوع، من قبيل كتاب البيوع، وكتاب الإجارة، وكتاب الشركة، وكتاب المزارعة، وكتاب المساقاة، كما في الجامع الصحيح للإمام البخاري على سبيل التمثيل، كما أفردوا له تواليف خاصة، ككتاب الخراج لأبي يوسف، وكتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام، وغيرهما من كتب الحسبة، والسياسة الشرعية، التي انكبت على تنظيم الدولة سياسيا، واجتماعيا، واقتصاديا، بما يحقق الأمن والاستقرار والتنمية، إعمارا للأرض بالنافع المفيد، الذي يمكث فيها ولا يذهب جفاء .
إن طبيعة العمران في الإسلام الذي يختزله مفهوم التزكية، الجامع بين التنمية الروحية المهذبة للروح والوجدان، والتنمية المادية المستجيبة لرغبات الجسم المشروعة، تقتضي من المشتغلين في مجال التبليغ استحضار هذا التكامل في خطابهم، ليستوعب الدنيا والدين، ويجمع بين الروح والجسد، بما يجعل الإنسان محافظا على فطرته السليمة، التي خلقه الله تعالى وفقها﴿فِطْرَتَ اَ۬للَّهِ اِ۬لتِے فَطَرَ اَ۬لنَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِ۬للَّهِ﴾ [الروم: 29] ، ومسهما في البناء والتشييد وعمارة الأرض، وغيرها من تجليات القوة المأمور بإعدادها، والمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف.
1_ فقه السيرة لمحمد الغزالي ص 173، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى 1427هـ.
2 _ سيرة ابن هشام 2/93، شركة الطباعة الفنية المتحدة.
4_ نظم الدرر في تناسب السور والآيات 8/ 402، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة.
6_ التحرير والتنوير 12/102، الدار التونسية للنشر، تونس.
7_ مسند أحمد، مسند أنس بن مالك رضي الله عنه.
8_ عمدة القاري شرح صحيح البخاري 12/ 155، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
At vero eos et accusamus et iusto odio digni goikussimos ducimus qui to bonfo blanditiis praese. Ntium voluum deleniti atque.