You may also like
Page 1 of 5
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة الأئمة الفضلاء، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سعيد بالتواصل معكم مرة أخرى في رحاب آي الذكر الحكيم، لنتناول مجموعة من السور القصيرة مقتبسين من هداياتها ما تيسر من أنوارها، ومقتطفين من ثمارها اليانعة ما يكون سببا للاهتداء بها، مبتدئا بسورة الهمزة ومختتما بالناس في ثلاث حلقات متتابعة. فأقول وبالله التوفيق:
الهداية الأولى: من مضامين سورة الهمزة
مما تهدي إليه هذه السور أنها تشترك جميعا في الدفاع عن الرسول ﷺ، فكل واحدة منها تدافع عن الحبيب المصطفى ﷺ بطريقة مختلفة عن طريقة الأخرى، وذلك كما يأتي:
فسورة الهمزة تنعى على الهمزة واللمزة سوء صنيعهما، داعية عليهما بالويل الذي هو واد في جهنم، وقيل هو كلمة تقال لمن وقع في مهلكة يستحقها، فقال جل شأنه: ﴿وَيْلٞ لِّكُلِّ هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1]. والهمزة صيغة مبالغة من الهامز، وهو الذي يغتاب الناس ويمشي بالنميمة بينهم، واللمزة مبالغة من اللامز، وهو الذي يعيب الناس ويتنقصهم في حضورهم، فجمع الله في هاتين الكلمتين بين السوءتين، إطلاق اللسان في الناس حضورا وغيبة، قال الله تعالى في معنى الأول: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّٰفٖ مَّهِينٍ٠ هَمَّازٖ مَّشَّآءِۢ بِنَمِيمٖ﴾ [القلم: 10-11]. وقال في معنى الثاني: ﴿اِ۬لذِينَ يَلْمِزُونَ اَ۬لْمُطَّوِّعِينَ مِنَ اَ۬لْمُومِنِينَ فِے اِ۬لصَّدَقَٰتِ﴾ [التوبة: 80]. وهما من صفات العيابين المشتغلين بعيوب الناس عن عيوبهم.
واستعمل القرآن الكريم صيغة الهمزة واللمزة على وزن فعلة، بضم الفاء وفتح العين، لكون المتصف بها اعتاد تلك الصفة حتى صارت خلقا له.
اختلف المفسرون فيمن نزلت فيه هذه الآيات فقيل: الأخنس بن شريق؛ لأنه كان كثير الوقيعة في الناس، وقيل أمية بن خلف، وقيل الوليد بن المغيرة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ ولذلك أضافهما القرآن الكريم لكلمة (كل) المقتضية لعموم من فعل ذلك.
ثم ثنى الله تعالى بخسيسة أخرى، وهي البخل وجمع المال وتعداده، حبا فيه، ومنعا له من مستحقيه، بخلا به، فقال: ﴿اِ۬لذِے جَمَعَ مَالاٗ وَعَدَّدَهُۥيَحْسِبُ أَنَّ مَالَهُۥٓ أَخْلَدَهُۥ كَلَّاۖ لَيُنۢبَذَنَّ فِے اِ۬لْحُطَمَةِۖ وَمَآ أَدْر۪يٰكَ مَا اَ۬لْحُطَمَةُۖ نَارُ اُ۬للَّهِ اِ۬لْمُوقَدَةُ اُ۬لتِے تَطَّلِعُ عَلَى اَ۬لَافْـِٕدَةِۖ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّوصَدَةٞ فِے عَمَدٖ مُّمَدَّدَةٍۖ.﴾ [الهمزة: 2-9].
والحطمة من أسماء جهنم، سميت بذلك؛ لأنها تحطم أجسام أصحابها وتدمرهم شر تدمير، والعياذ بالله. وأضيفت النار لله تعالى في: ﴿نَارُ اُ۬للَّهِ اِ۬لْمُوقَدَةُ﴾؛ للترويع والتخويف بأن الله تعالى هو الذي خلقها لتعذيب الكفار والمشركين من خلقه، وقد ورد في الحديث: “إنه لا يعذب بالنار إلا رب النار“[1].
واطِّلاع النار على الأفئدة يمكن أن يكون بمعنى استيلائها عليها وتمكنها فيها، ونفوذها إليها، ويمكن أن يكون بمعنى الاطلاع على ما فيها من الكفر والشرك وأمراض القلوب التي يستحق صاحبها العقاب عليها، كما ذكر ابن عاشور في تفسيره[2].
ثم وصفت النار بأنها موصدة ومغلقة عليهم موثقين فيها أبدا.
الهداية الثاني: من مضامين سورة الفيل
يقول الله تعالى: ﴿اَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَٰبِ اِ۬لْفِيلِۖ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِے تَضْلِيلٖ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً اَبَابِيلَ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٖ مِّن سِجِّيلٖ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٖ مَّاكُولٖۖ.﴾ [الفيل: 1-5].
ألم تر أي ألم تعلم، فهي رؤية قلبية، وأبابيل أي مجتمعة متتابعة كثيرة، والسجيل الحجارة المحماة، والعصف المأكول: ورق الزرع إذا أكلته البهيمة وراثته؛ أي أصبحوا كروث البهائم مهَشَّمِين.
والخطاب في ألم تر للنبي ﷺ، تسلية له مما يصدر من أعدائه من الهمز واللمز وغيرهما من أنواع الإيذاء، أو هو لكل مخاطب ومستمع للآية الكريمة، فتكون تسلية لأهل الإيمان، وتقريعا لأهل الكفر والشرك.
فكأنه خاطب الهمازين واللمازين بقوله: (ألم تر أيها الهماز ما فعل ربك بأعدائه أصحاب الفيل؟ فكيف تأمن عاقبة غيك واستهزائك وعداوتك لله ولرسوله وللمؤمنين؟
وهذا على غرار قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَيَٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيَ أَنْ يُّصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ اَوْ قَوْمَ هُودٍ اَوْ قَوْمَ صَٰلِحٖۖ وَمَا قَوْمُ لُوطٖ مِّنكُم بِبَعِيدٖۖ﴾ [هود: 89]. فأفاد التهديدَ بما وقع للسابقين من الظالمين.
وفي هذه مناسبة بين السورتين المكيتين، حيث أوعدت الهمزة بالويل، وذكَّرت الفيلُ بما وقع لأصحاب الفيل من الهلاك والثبور.
وفيها دفاع عن النبي ﷺ، ونصرة له وحماية تامة من رب العالمين.
كما ورد عن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: كانت حادثة الفيل شيئا قدمه الله بين يدي رسول الله ﷺ، مشيرة بذلك إلى أن هذه الحادثة وقعت قبيل ميلاد النبي ﷺ بنحو خمسين يوما، إرهاصا بقدومه، وإيذانا بعلو شأنه ﷺ.
تذكر كتب السيرة والحديث أن النبي ﷺ ولد عام الفيل، بعد الحادثة بنحو خمسين يوما. وقد أباد الله العدو أبرهة الذي جاء بجيش عرمرم وفيل عظيم لهدم الكعبة وتحويل تجارتها ومكانتها إلى القليس الذي بناه باليمن، فأحدثت الواقعة رهبة في نفوس الناس جميعا، وعادت لمكة مكانتها أكثر من ذي قبل. وهذا ما أشارت إليه سورة قريش الموالية في تناغم تام وتناسب دقيق، فقال تعالى: ﴿لِّإِيلَٰفِ قُرَيْشٍ﴾ الآيات. وهي:
الهداية الثالثة: من مضامين سورة قريش
تهدي سورة قريش إلى ما تنعم به مكة وما حولها من أمن وسلام ورغد عيش، من غير أن يكون ذلك بجهد أحد من الناس أو قوته، بل بفضل الله تعالى على البيت الحرام وما حوله، إكراما للرسول ﷺ، الذي سيبعث فيها، فقال جل شأنه: ﴿لِّإِيلَٰفِ قُرَيْشٍ اِيلَٰفِهِمْ رِحْلَةَ اَ۬لشِّتَآءِ وَالصَّيْفِۖ فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا اَ۬لْبَيْتِ اِ۬لذِےٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۖ﴾[قريش: 1-5].
فذكر الله تعالى أمورا منها أن قريشا ألفت الرحلة نحو الشمال والجنوب في أمن وأمان، وما ذلك إلا بفضل رب هذا البيت الذي يطوفون به وينعمون بجميل جواره.
وكلمة لإيلاف متعلقة بـ﴿فَلْيَعْبُدُواْ﴾، وقيل بفعل محذوف مأخوذ من معنى سورة الفيل؛ أي فعل الله بهم ذلك لإيلاف قريش، وقيل بفعل: اعجبوا لإيلاف قريش.
وهذه السورة تشير إلى أمور منها أن دعوة إبراهيم عليه السلام بالأمن للبلد الحرام مستمرة، ومنها أن قريشا نسيت هذه النعمة فذكرها القرآن بها، وأمرها أن تعبد المنعم بها سبحانه وتعالى، كما ورد في آيات أخرى كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوَاْ اَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً اٰمِناٗ وَيُتَخَطَّفُ اُ۬لنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمُۥٓۖ أَفَبِالْبَٰطِلِ يُومِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اِ۬للَّهِ يَكْفُرُونَۖ﴾ [العنكبوت: 67].
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً اٰمِناٗ تُجْب۪ىٰٓ إِلَيْهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَےْءٖ رِّزْقاٗ مِّن لَّدُنَّاۖ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَۖ﴾ [القصص: 57]، وغيرهما من الآيات التي تشيد بأمن الحرم وإعدادِه لبعثة سيد الخلق سيدنا محمد ﷺ.
ومنها أن هذه السورة على قصرها ذكرت عنصرين هامين من عناصر الاستقرار والازدهار والنمو، وعليهما تقوم الحضارات، وهما الأمن من العدو الخارجي والأمن الغذائي: ﴿اِ۬لذِےٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۖ﴾.
فالخوف وانعدام الأمن سبب من أسباب انهيار الحضارات وأفول الأمم، وكذلك انعدام الأمن الغذائي يسبب انفلات الأمن في التجمعات البشرية والطرقات، ويحدث خللا كبيرا في العلاقات البشرية ويسبب الحروب والفتن والقلاقل.
ومنها أن هذه السورة دافعت عن النبي ﷺ، الذي دعا إلى عبادة الله وحده، وربط دعوته بتذكير قريش بنعمة الأمنين: الغذائي والأمن الخارجي.
وفي ذلك تنبيه وارتباط بين توحيد الله تعالى وشكره على نعمه المختلفة، وأهمها الأمن من الجوع والخوف، والعمل بمقتضى أمره ونهيه، استدامة للنعمة.
الهداية الرابعة: من مضامين الماعون
ترتبط سورة الماعون بسورة قريش في التذكير بعدم الانتباه إلى النعمة ووجوب شكرها، بل قوبلت بالنكران والجحود، وذلك بدفع اليتيم والمساكين وطردهم عن الأبواب والإساءة إليهم، وعدم القيام بالصلاة المؤذنة بالخضوع لله تعالى والإصغاء إلى أمره ونهيه، وقوبلت النعمة كذلك بمنع الماعون، وهو كل ما يمكن أن تنفع به غيرك، من الماء والطعام وغيرهما، أعلاه الزكاة وأدناه العارية، فقال جل شأنه:
﴿اَرَٰٓيْتَ اَ۬لذِے يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَٰلِكَ اَ۬لذِے يَدُعُّ اُ۬لْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ اِ۬لْمِسْكِينِۖ فَوَيْلٞ لِّلْمُصَلِّينَ اَ۬لذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ اَ۬لذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ وَيَمْنَعُونَ اَ۬لْمَاعُونَۖ﴾[الماعون: 1-6].
وفي كلمة ﴿اَرَٰٓيْتَ﴾ دعوة إلى التعجب والاعتبار من هذا المكذب بالدين، وفي كلمة: ﴿فَذَٰلِكَ﴾ إشارة إلى تحقيره وإهانته لكونه يدع ويدفع اليتيم ولا يعطيه مما أعطاه الله، وذلك لتكذيبه بوعد الله لمن آوى وكفل يتيما، كما لا يحض على طعام المسكين لما فيه من الأنانية وحب الذات المانع له من أن يرى حاجة الآخرين وضعفهم. فاستحق بذلك الويل والعقاب لسهوه عن الصلاة والخضوع لله تعالى، ولا يفعل شيئا من الخير إلا رياء وسمعة، مع منع الحق عن أهله ظلما وعدوانا.
وفي السورة اجتماع بين التكذيب بيوم الدين والبخل والشح وترك الصلاة، وبين المراءاة ومنع حقوق الناس، على عكس آيات أخرى تتحدث عن أهل الإيمان الجامعين بين الصلاة والإنفاق في سبيل الله والتصديق بيوم الدين، كقوله تعالى: ﴿اِلَّا اَ۬لْمُصَلِّينَ اَ۬لذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَآئِمُونَۖ وَالذِينَ فِےٓ أَمْوَٰلِهِمْ حَقّٞ مَّعْلُومٞ لِّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِۖ وَالذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ اِ۬لدِّينِۖ﴾[المعارج: 22-26]. هذا وقد اختلف المفسرون في سورة الماعون هل هي مكية أو مدنية، فذهب الأكثر إلى أنها مكية، والمراد بالذي يكذب بالدين أبو جهل أو غيره من كفار قريش، وذهب الآخرون إلى أنها مدنية، والمراد بالمكذب بالدين وبباقي الصفات عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق.
وذكر السيوطي في الإتقان أن الآيات الثلاث الأولى نزلت بمكة، والباقي بالمدينة[3]، وذلك حتى يناسب النصف الأول مشركي قريش، والنصف الثاني منافقي المدينة الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها ويراءون الناس بأعمالهم ولا يذكرون الله إلا قليلا.
وفي جميع الأحوال تبقى سورة الماعون مدافعة عن النبي ﷺ كالتي قبلها والتي بعدها، في تناسق تام وتحد قرآني معجز، مع ما تحمل من التحذير من الاتصاف بمثل هذه الصفات الحاجبة عن الحق، والرامية بأصحابها في هاوية الويل والثبور.
والموفق من وفقه الله تعالى، وإلى لقاء آخر بحول الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[1] – سنن أبي داود باب في كراهية حرق العدو، 3/8.
[2] – التحرير والتنوير 30/541.
[3] – الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، 1/17.
At vero eos et accusamus et iusto odio digni goikussimos ducimus qui to bonfo blanditiis praese. Ntium voluum deleniti atque.