جارٍ تحميل التاريخ...

الحديث النبوي الشريف – التحدث بنعم الله – ذ. محمد مشان

النسخة المكتوبة

أولا: نص الحديث: 

قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا».

ثانيا: تخريج الحديث ودرجته:

تخريج الحديث:

أخرجه؛

¯   الإمام الترمذي في “جامعه” (4 / 167) برقم: (2346) (أبواب الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب) (بهذا اللفظ)

¯   والإمام وابن ماجه في “سننه” (5 / 253) برقم: (4141) (أبواب الزهد، باب القناعة) (بمثله)

¯   والإمام والحميدي في “مسنده” (1 / 407) برقم: (443) (حديث عبيد الله بن محصن الأنصاري) (بنحوه)

¯   والإمام البخاري في “الأدب المفرد” ص:113

درجة الحديث: 

قال الإمام الترمذي: “حديث حسن غريب”، وقال الإمام البيهقي «شعب الإيمان»: «هذا أصح ما روي في هذا الباب.» وقال الإمام ابن عبد البر في «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (5/ 18): «ومنهم مَن يَجْعَلُ هذا الحديثَ مُرسَلًا، وأكثرُهم يُصَحِّحُ صُحْبةَ عُبَيدِ اللهِ بنِ مِحْصَنٍ هذا، فيجعَله مُسنَدًا.»

وقال في “التنوير شرح الجامع الصغير”: “رمز المصنف (أي السيوطي في الجامع الصغير) لحسنه، وقال الترمذي: حسن غريب.”[1]

ثالثا: راوي الحديث:

عُبَيْدِ اللهِ بن مِحْصَنٍ الخَطْمِيِّ: بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين آخره نون. ذكره في الصحابة جمع من أهل العلم منهم: الإمام ابن منده في معرفة الصحابة، وأبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة، وابن قانع في معجم الصحابة، والإمام البغوي في معجم الصحابة، وابن عبد البر في الاستيعاب في معرفة الأصحاب وعز الدين ابن الأثير في أسد الغابة في معرفة الصحابة وغيرهم.

قال الحافظ ابن حبان في «الثقات»: «‌عبيد ‌اللَّه ‌بْن ‌مُحصن الْأنْصَارِيّ أَبُو سَلمَة لَهُ صُحْبَة»[2]، وقال الإمام أبو نعيم في «معرفة الصحابة»: «‌‌‌عُبَيْدُ ‌اللهِ ‌بْنُ ‌مِحْصَنٍ الْأَنْصَارِيُّ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَدْرَكَهُ، حَدِيثُهُ عِنْدَ ابْنِهِ سَلَمَةَ»[3]

وقال الإمام ابن عبد البر القرطبي في «الاستيعاب في معرفة الأصحاب»: «‌عُبَيدُ ‌اللهِ ‌بنُ ‌مِحْصَنٍ، روَى عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: “مَن أصبَح منكم آمِنًا في سِرْبِه، مُعافًى في جسمِه، معه قُوتُ يومِه، فكأنَّما حِيزتْ له الدُّنيا”، ومنهم مَن يَجْعَلُ هذا الحديثَ مُرسَلًا، وأكثرُهم يُصَحِّحُ صُحْبةَ ‌عُبَيدِ ‌اللهِ ‌بنِ ‌مِحْصَنٍ هذا، فيجعَله مُسنَدًا.»[4]

رابعا: شرح الحديث وتحليل ما جاء فيه:

الحديث يحصر مقومات “الحياة الطيبة” في ثلاث ركائز أساسية:

الركيزة الأولى:(‌من ‌أصبح ‌منكم ‌آمنا ‌في ‌سِرْبه): بكسر السين على الأشهر «النفس والجماعة؛ يعني: من كانت نفسه آمنةً من شر الأشرار، وأهلُه أيضًا آمنين»[5] وروي بفتحها “سَرْبه” أي في مسلكه، وقيل بفتحتين “سَرَبه” أي في بيته فالسِّرب هو الجماعة، أو البيت، أو المسلك. والمعنى: أن يستيقظ الإنسان غير خائف من عدو، أي لا يخشى عدواً يقتله، ولا ظالماً ينتهك عرضه أو ماله.

إنها نعمة الأمن وما أدراك ما الأمن، إن سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام دعا ربه بأمور جعل أولها الأمن، فـ «طَلَبَ مِنَ اللَّهِ نِعْمَةَ الْأَمَانِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ]رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً[ [البقرة: 126] وَالِابْتِدَاءُ بِطَلَبِ ‌نِعْمَةِ ‌الْأَمْنِ فِي هَذَا الدُّعَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ النِّعَمِ وَالْخَيْرَاتِ وَأَنَّهُ لَا يَتِمُّ شَيْءٌ مِنْ مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا إِلَّا بِهِ»[6] وهذا هو “الأمن النفسي والاجتماعي”.

الركيزة الثانية:(معافى في جسده): أي صحيحا بدنه ظاهرا وباطنا، سالماً من العلل والأسقام، وهي السلامة من الأمراض والآلام التي تعيق الإنسان عن الحركة والعبادة والعمل. ‌نعمة ‌الصحة والعافية، وهذا هو “الأمن الصحي”.

الركيزة الثالثة:(عنده قوت يومه): أي غذاؤه وعشاؤه الذي يحتاجه في يومه، أي كفاية قوته من وجه الحلال.

والجدير بالإشارة أنه r قال هنا: “قوت يومه” ولم يقل r: “قوت شهره”، أو “قوت سَنَتِه”، أو “عَامِه”، وفي ذلك إشارة واضحة إلى الرضا بما قسمه الله لكل منا والكفاف والعفاف، وعدم الهلع على الرزق المستقبلي. وهذا هو “الأمن الغذائي”.

(فكأنما حيزت له الدنيا): أي ضمت وجمعت، (بحذافيرها): أي بجوانبها أي بتمامها فكأنما أعطي الدنيا بأسرها، أي تمت عليه النعمة.

«وَالْحَذَافِيرُ: الْجَوَانِبُ، وَقِيلَ: الْأَعَالِي، وَاحِدُهَا حِذْفَارٌ أَوْ حُذْفُورٌ، وَالْمَعْنَى، فَكَأَنَّمَا أُعْطِيَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا.»[7]

وذلك يعني أن من جمع الله له بين عافية بدنه، وأمن قلبه حيث توجه، وكفاف عيشه بقوت يومه، وسلامة أهله فقد جمع الله له النعم والمتطلبات، وغاية ما يصل إليه مَنْ مَلَكَ الدنيا الحصول على هذه الأمور؛

 

بيان حقيقة النعمة وأقسامها:

وليس الرزق في المال وحده، فينبغي أن لا يستقبل يومه ذلك إلا بشكرها بأن يصرفها في طاعة المنعم لا في معصية ولا يفتر عن ذكره.

فالصحة والعافية رزق، والسكينة رزق، وراحة البال رزق، والأهل والذرية رزق، والعلم والحكمة رزق، والقبول والمحبة رزق، والهداية والعمل الصالح رزق.

وكما قيل:” لو كشفت الحجب، لعلم الإنسان أن دفع البلاء رزق، وصرف السوء عنه رزق، وصبره على الشدة رزق”

قال نفطويه:

إذا ما كساك الدهر ثوب مصحة** ولم يخل من قوت يحلى ويعذب

فلا تغبطن المترفين فإنه** على حسب ما يعطيهم الدهر يسلب

وقال:

إذا القوت يأتي لك والصحة والأمن** وأصبحت أخا حزن فلا فارقك الحزن

«وأنشدوا: [من الهَزَج]:

إِذا القُوتُ تَأتَّى لـ ** ـكَ وَالصِّحَّةُ وَالأَمْنُ

وَأَصْبَحْتَ أَخا حُزْنٍ ** فَلا فارَقَكَ الْحُزْنُ[8]

خامساً: الأحكام المستنبطة من الحديث والدروس المستفادة منه:

1)       الأمن والنظام العام أساس الدين والدنيا:

والتقديم يدل على التعظيم فقد بدأ النبي ﷺ بالأمن؛ لأنه لا يمكن للإنسان أن يقوم بشعائره التعبدية ولا بأعماله الاقتصادية ولا بتحركاته العادية وهو خائف فاقد للأمان، قال تعالى ممتنا على العرب: ]فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ[ [قريش3-4].

 

2)       معيار السعادة في الإسلام “القناعة”:

فالسعادة والحياة الطيبة ليست في تكديس الأموال، بل في الكفاف مع راحة البال. والإيمانُ الصادق يثمر نفساً راضية غير ساخطة.

3)       الارتقاء بالمؤمن إلى مقام الشكر:

فالحديث يحث المؤمن على عدم الغفلة عن النعم التي يعيشها يوميا ولا يتفطن لها ولا يعيرها ما يليق بها من عناية واهتمام وشكر كالنوم، والاستيقاظ بصحة، والأمان في البيوت والأحياء والشوارع والأوطان عموما.

4)       صحة الأبدان من أعظم النعم على بني الإنسان:

فالحديث يشير إلى أعظم نعمة ينعم بها الله تعالى على خلقه، بعد نعمة الهداية ونعمة الأمن، وهي نعمة الصحة والمعافاة من الأسقام والأمراض والأوبئة، وهي نعمة تستوجب الشكر وأداء حقوقها.

5)       الانعتاق من همِّ القوت اليومي، والتحرر من القلق الوجودي:

فالإيمان الصادق بالله تعالى يجعل الإنسان يؤمن أن الرزق بيد الله؛ فيوقن أنه لن يفوته شيء مما قسمه الله له، فتطمئن نفسه، ويرتاح باله على قوته، مما يدرأ عنه أمراض العصر من الأمراض النفسية، والاكتئاب والأعصاب والتوتر والاضطرابات النفسية.

خلاصة:

وهو حديث عظيم يبين بجلاء أسس السعادة والاستقرار النفسي والاجتماعي، وهو دعوة إلى التفكر في نعم الله، وتواتر آلائه الظاهرة والباطنة سبحانه، ووجوب شكرها، وعدم الكفر بها وجحودها وازدرائها.

والشكر من جملة مقامات السالكين وهو أيضاً ينتظم مِن علمٍ وحالٍ وعمَلٍ، فالعلم هو الأصل فيورث الحال، والحال يورث العمل.

فأما العلم: فهو مَعْرِفَةُ النِّعْمَةِ مِنَ الْمُنْعِمِ، وَالْحَالُ: هُوَ الْفَرَحُ الْحَاصِلُ بِإِنْعَامِهِ، وَالْعَمَلُ: هُوَ الْقِيَامُ بِمَا هُوَ مَقْصُودُ الْمُنْعِمِ وَمَحْبُوبُهُ، وَيَتَعَلَّقُ ذَلِكَ الْعَمَلُ بِالْقَلْبِ وبالجوارح وباللسان»[9] 

وفي شكر النعم تعظيم للمنان سبحانه، وإرغام للشيطان، ويكون(الشكر) تحدثا باللسان وتعلقا واعترافا بالجنان، وعملا وخدمة بالأركان.

إن الناس قد شغلوا بالنعم عن المنعم، والجهل والغفلة والران الذي غشى القلوب كلها تشكل حائلا دون التركيز على شكر المنعم، فجحدوا النعم ولم يشكروها.

ومن لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها[10]، وقد جاء في الأثر «يَا عَائِشَةُ،‌‌ ‌أَحْسِنِي ‌جِوَارَ ‌نِعَمِ اللَّهِ، فَإِنَّهَا قَلَّمَا نَفَرَتْ عَنْ أَهْلِ بَيْتٍ فَكَادَتْ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِمْ»[11]   فالنعم وحشية، سريعة النفور، لا يعقلها إلا الإقرار بها، وتعظيمها، وعزوها لمالك الملك سبحانه، وشكرها، والتحدث بها، قال جل في علاه: ]وأما بنعمة ربك فحدث[ [الضحى: 11]، قال الله تعالى: ]وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ[ [إبراهيم: 7].

ومن لم يُقْبِلْ على الله بملاطفات الإحسان قُيِّدَ إليه بسلاسل الامتحان”[12]  كما قال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى.

فاللهم أدم علينا نعمة الأمن والأمان في الأوطان، والصحة والعافية في الأبدان، والكفاف والعفاف في الأرزاق والأقوات.

اللهم إنا نعوذُ بك من زوال نعمتك وتحوّل عافيتك وفُجاءة نقمتك وجميع سخطك.

اللهم أدم عليّ وعلى أحبتي الكرام نعمك واحفظها من الزوال وصلها على التوال.

هذا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 


[1] «التنوير شرح الجامع الصغير» (10/ 110)

[2] الثقات لابن حبان (3/ 248)

[3] معرفة الصحابة لأبي نعيم (4/ 1874)

[4] الاستيعاب في معرفة الأصحاب (5/ 18)

[5] «المفاتيح في شرح المصابيح» (5/ 288)

[6] تفسير الرازي مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير» (19/ 103)

[7] «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» (8/ 3250)

[8] فيض القدير 6/88

[9] «إحياء علوم الدين» (4/ 81)

[10] الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري رحمه الله رقم:64

[11] «الشكر لابن أبي الدنيا» ص:6 

[12] الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري رحمه الله رقم:63  

شاهد أيضا

تصنيفات

At vero eos et accusamus et iusto odio digni goikussimos ducimus qui to bonfo blanditiis praese. Ntium voluum deleniti atque.

Melbourne, Australia
(Sat - Thursday)
(10am - 05 pm)